وزير الدفاع الإيراني أمير نصير زاده
بقلم: الحاج بكر الحسيني
إيران اليوم بلد معزول عن محيطه، وهو عقدة أساسية في خريطة إقليم يُعاد تشكيله بهدوء وصمت. ما يُرسم لإيران جزء من لوحة أكبر تُرتّب فيها الموازين من غرين لاند مروراً باوكرانيا والقوقاز حتى الخليج، وتُعاد فيها صياغة الأدوار والنفوذ والحدود غير المعلنة.
كثيرون لا ينتبهون إلى حقيقة بسيطة ومربكة: الفرس ليسوا وحدهم في إيران، ولا هم بالضرورة أكبر مكوناتها. الأذريون، في واقع الأمر، يشكّلون الكتلة القومية الأكبر عدداً، وهم حاضرون في الجيش والاقتصاد والإدارة، بل وفي رأس هرم السلطة نفسها. هذا وحده كافٍ ليجعل أي حديث عن مستقبل إيران مستحيلاً من دونهم، سواء في حال بقاء النظام أو في حال تغييره.
وما يعزّز هذا الاحتمال أن تركيا لم تعد تتحرك في الإقليم على أنها دولة تبحث عن حماية حدودها فقط، بل كقوة إقليمية تريد حصة واضحة في إعادة توزيع النفوذ. تجربتها في سوريا، وفي القوقاز عبر أذربيجان، وفي ليبيا، تقول إن أنقرة تعرف كيف تستثمر اللحظة الدولية حين تتقاطع مصالحها مع المصالح الأمريكية، حتى لو بدا الخلاف بينهما ظاهراً في الخطاب. الخلاف غالباً تكتيكي، أما التفاهم على الخطوط العريضة فموجود، خاصة عندما يكون الهدف منع الفوضى الشاملة وضبط إيقاع التحولات.
الولايات المتحدة من جهتها لا تبحث عن حلفاء أقوياء بقدر ما تبحث عن أدوات قادرة على إدارة الملفات الساخنة نيابة عنها، بأقل كلفة سياسية وعسكرية مباشرة. وتركيا، بعضويتها في الناتو، وبقدرتها على مخاطبة الشرق والغرب معاً، وبشبكتها القومية الممتدة نحو الأذريين، تبدو مرشحة طبيعية للعب هذا الدور في إيران إن فُتح باب التغيير. ليس حباً بتركيا، بل لأن واشنطن تحتاج من يملأ الفراغ دون أن يفتح أبواب الانفجار.
هنا يصبح الأذريون حلقة وصل مثالية: قومية كبيرة داخل إيران، وامتداد قومي مباشر لتركيا، ويمكن توظيفها لضمان انتقال “ناعم” للسلطة يحفظ وحدة الدولة ويمنع تفككها. لكن هذا الانتقال، إن حصل، لن يكون بريئاً ولا عادلاً بالضرورة، بل محكوماً بمصالح القوى الكبرى قبل حقوق القوميات الأخرى.
وعند هذه النقطة تحديداً يتجسد القلق الحقيقي: أن تتحول إيران من مركز نفوذ إيراني إلى ساحة نفوذ تركي–أمريكي مشترك، دون أن يتغير شيء جوهري في موقع العرب والكورد والبلوش وسائر المكونات، سوى تبدل الجهة التي تمسك بمفاتيح القرار وتوزع الأدوار وتفرضها على باقي شعوب إيران .
