بقلم: أمين صعب- أستاذ جامعي
20/12/2025
على مدى عقود، شهدت سوريا تغيرات بيئية غير مسبوقة، حيث تحولت أجزاء كبيرة من أراضيها إلى مناطق جافة قاحلة، وتأثرت الأراضي الزراعية بشكل خطير بسبب التصحر المتسارع. ولم يكن هذا التصحر مجرد نتيجة لظروف مناخية، بل كان أيضًا نتيجة للسياسات البيئية الفاشلة التي تبناها النظام البائد، ما ساهم في تفاقم الوضع البيئي للبلاد بشكل واضح. واللافت أن هذا التغير البيئي في سوريا يتزامن مع ظواهر مناخية متناقضة في المنطقة، مثل سقوط الثلوج في السعودية التي شهدت مؤخرًا تساقط ثلوج غير مألوفة، في حين تعاني بلاد الشام، بما في ذلك سوريا، من جفاف شديد وتصحر.
التصحر وتدهور البيئة في دمشق وريفها
منذ السبعينات، بدأت سوريا تشهد تحولات بيئية جذرية في جميع أنحاء البلاد، وخاصة في المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق وريفها. الأراضي الزراعية، التي كانت مصدرًا رئيسيًا للغذاء في البلاد، بدأت تتحول إلى مناطق جافة بسبب سوء الإدارة والاستخدام المفرط للموارد الطبيعية. على سبيل المثال، كان الريف الدمشقي يشتهر بخصوبته، لكن هذا الوضع تغير بشكل دراماتيكي عندما بدأت السياسات الحكومية تسير في اتجاه تحويل هذه الأراضي إلى كتل سكنية وأبنية خرسانية ضخمة منذ السبعينات، ما أدى إلى فقدان الكثير من المساحات الزراعية. هذه التغيرات العمرانية تزامنت مع أزمة مياه غير مسبوقة، حيث زاد الطلب على المياه بسبب الزيادة السكانية، مما فاقم من مشكلة الجفاف.
في دمشق، كان التحول إلى مناطق شبه صحراوية يتسارع بفعل الأنشطة البشرية مثل الرعي الجائر، واستخدام الأسمدة والمبيدات الزراعية بشكل عشوائي. نتيجة لهذه السياسات، بدأت الأراضي التي كانت خصبة ومزدهرة تتحول إلى بيئات غير قادرة على دعم الحياة النباتية والحيوانية.
التوسع العمراني والعشوائي
النظام البائد لم يكن يولي أهمية كبيرة للخطط البيئية أو العمرانية. في ظل غياب السياسات المدروسة، بدأ التوسع العمراني بشكل عشوائي وغير منظم، حيث تم بناء آلاف الأبنية على حساب الأراضي الزراعية، مع تأخير المؤسسات المعنية بالمخططات التنظيمية لمدن الريف اصدار التوسعلت السكنية المدروسة ، مما زاد الضغط على الموارد الطبيعية. المخالفات العمرانية، التي بدأت تظهر منذ السبعينات مع سياسات حافظ و رفعت الأسد، أسهمت بشكل كبير في زيادة التلوث البيئي، خاصةً من خلال تدمير الغطاء النباتي وزيادة الضغط على المياه الجوفية التي كانت تتناقص بشكل كبير.
بجانب ذلك، التوسع العمراني في دمشق وريفها أسهم بشكل مباشر في زيادة التلوث، خاصة تلوث الهواء والمياه، مما أثر على صحة السكان وعلى التنوع البيولوجي في المنطقة.
تأثير النظام البائد في تفاقم الأزمة البيئية
لم يقتصر تأثير النظام البائد على البيئة فقط على التوسع العمراني، بل تعدى ذلك إلى تدمير البيئة بشكل منهجي خلال سنوات حكم حافظ الأسد ثم تواصل الأمر تحت حكم بشار الأسد. في السنوات الأخيرة، وخاصة أثناء الثورة والحرب
الأسدية على سورية، شهدت سوريا تدميرًا هائلًا للموارد الطبيعية، حيث تم استخدام الأسلحة الكيميائية والمفخخات بشكل مفرط، مما أدى إلى تلوث الأرض والمياه وتدمير الغطاء النباتي في العديد من المناطق.
آلاف الأشجار في الغوطة الشرقية تم قلعها من أجل فتح طرق للمدرعات العسكرية، وآلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية تم تدميرها بسبب القصف. هذا التدمير البيئي خلال الحرب لم يقتصر على المناطق التي كانت تشهد اشتباكات مباشرة، بل امتد أيضًا إلى المناطق المحيطة بها، مما أدى إلى زيادة التصحر وتفاقم مشكلة الجفاف في البلاد.
الدكتور محمد عصيري، رئيس الجمعية الفلكية السورية، أشار إلى التحديات البيئية التي تواجهها سوريا وبلاد الشام بشكل عام، وخاصة التصحر، وقال في إحدى تصريحاته:
“إن التصحر ليس ظاهرة طبيعية فحسب، بل هو نتيجة مباشرة للأنشطة البشرية غير المستدامة. في سوريا، تدهورت البيئة بشكل كبير بسبب السياسات الحكومية الفاشلة في إدارة الموارد الطبيعية، بدءًا من استنزاف المياه الجوفية إلى زراعة أراضٍ غير صالحة. إضافة إلى ذلك، ساهمت الحروب والنزاعات في تدمير الأراضي الزراعية والمراعي، ما يعجل من ظاهرة التصحر.”
وأضاف عصيري في تصريح آخر:
“نحن اليوم في مرحلة خطيرة من التدهور البيئي، حيث أن مناطق مثل دمشق وريفها أصبحت عرضة للتصحر السريع بسبب الجفاف المستمر واختلال النظام البيئي بشكل عام. يجب أن تكون هناك إجراءات بيئية مدروسة للتصدي لهذه الظاهرة قبل أن يصبح من الصعب معالجتها.”
الضرورات الملحة لمستقبل بيئي أكثر استدامة
في مواجهة هذه التحديات البيئية الكبيرة، فإن سوريا بحاجة إلى استراتيجيات عاجلة للحد من التصحر واستعادة التوازن البيئي في البلاد. من الضروري أن تتبنى الحكومة سياسات بيئية فعّالة تُحسن من إدارة الموارد الطبيعية وتحد من الاستنزاف المتواصل للموارد. من بين أهم الحلول التي يجب تبنيها:
التشجير وحماية الغطاء الأخضر:
حملات التشجير هي من بين الحلول الأكثر فعالية لمكافحة التصحر. يجب العمل على إعادة زراعة الأراضي التي تم تدميرها، وخاصة في المناطق التي تأثرت بفقدان الأشجار بسبب الحرب والتوسع العمراني. هذا سيساهم في تحسين جودة التربة، وتقليل الحرارة، وزيادة نسبة الرطوبة في الهواء.
تأمين المياه وإدارتها بكفاءة:
من الضروري أن يتم تطوير استراتيجيات لتحسين إدارة المياه، مثل استخدام تقنيات الري الحديثة، وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي لتمويل الأنشطة الزراعية. كما يجب تحسين آليات جمع مياه الأمطار وتوسيع مشاريع تحلية المياه في مناطق معينة.
منع التلوث في الأنهار والمسطحات المائية:
التلوث البيئي في سوريا، وخاصة تلوث الأنهار والبحيرات، هو من أبرز المشكلات التي تحتاج إلى حلول سريعة. يجب وضع قوانين صارمة للحد من التلوث الصناعي والزراعي، وتوفير محطات معالجة المياه المتقدمة للتخلص من ملوثات الصرف الصحي والصناعي.
إعادة تدوير مياه الصرف الصحي:
يمكن استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في الري الزراعي أو في الصناعات غير الغذائية. هذه الطريقة تساعد في توفير المياه العذبة التي باتت نادرة، وتقلل من تأثيرات الجفاف على الزراعة.
الخلاصة
التغير البيئي في سوريا ليس مجرد نتيجة للتغيرات المناخية، بل هو نتاج لسياسات بيئية فاشلة وحروب مدمرة استهدفت البيئة والموارد الطبيعية. منذ عهد حافظ الأسد، كانت سوريا تشهد تدهورًا بيئيًا مستمرًا، ولكن في عهد بشار الأسد، تفاقمت الأزمة البيئية بسبب الحروب والدمار الكبير للموارد. في الوقت الذي تعيش فيه السعودية بعض الظواهر المناخية الغريبة مثل تساقط الثلوج في مناطق غير معتادة، يعاني الشرق الأوسط من جفاف شديد في بلدان مثل سوريا ولبنان وفلسطين، ما يعكس حجم التغير المناخي غير المتوازن في المنطقة.
من الضروري أن تبدأ سوريا في إعادة بناء بيئتها من خلال مبادرات بيئية عاجلة تشمل التشجير، تحسين إدارة المياه، منع التلوث، وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي، فقط من خلال هذه الجهود يمكن للشعب السوري أن يبدأ في التكيف مع التحديات البيئية ويستعيد جزءًا من توازن بيئته المفقودة.

