بقلم: أمين صعب
في ظل التحولات السياسية التي تشهدها سوريا، تتصاعد الظلال حول الثورة السورية التي انطلقت منذ عام 2011، وتُبنى اليوم روايات جديدة حول من كان على الخطوط الأمامية ومن كان يتابع عن كثب. بينما تسيطر بعض الشخصيات على المشهد الإعلامي والسياسي، يظل العديد من الثوار الأوائل في الظل، بعيدا عن الأضواء التي تضيء اليوم وجوه من لا علاقة لهم فعليًا بالثورة.
من المؤسف أن نرى بعض الذين لم يكونوا في صفوف الثوار الأوائل، ولم يشهدوا الأيام العصيبة التي مر بها الشعب السوري، يستغلون هذه الظروف لتوجيه السرد التاريخي نحو مصالحهم الشخصية. لا يمكن لأي شخص أن يدعي أنه كان جزءًا من المظاهرات السلمية من اليوم الأول بينما كان في مكان بعيد عن المعركة الحقيقية.
الثورة السورية لم تكن يومًا مجرد مجموعة من الأفراد الذين تصدروا المشهد الإعلامي، بل كانت حركة جماعية قام بها الشعب السوري بكافة أطيافه، تجاوزت الحدود والأنظمة. كان الثوار الأوائل من الشباب، المثقفين، الناشطين، وحتى المواطن العادي، وكل منهم كان يحمل حلمًا واحدًا: الحرية. هؤلاء هم من بدأوا الثورة، وهم من ضحوا بأرواحهم من أجل حلم طال انتظاره. لكن اليوم، نجد أن من كانوا في الصفوف الأمامية يتم تهميشهم أو نسيانهم في السرد الرسمي، لصالح شخصيات تتنقل بين العواصم ولا تملك أي تجارب حقيقية في الشوارع.
الشهداء، المهجّرون، والمغيبون هم من صنعوا الثورة الحقيقية. هم من نزلوا في المظاهرات الأولى، ومن تحملوا مشاق الاعتقالات والتهجير. هؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم وأوقاتهم، وتعرضوا لأبشع أنواع القمع، لكنهم لا يظهرون في الواجهة الإعلامية اليوم. بعضهم استشهد، وآخرون هاجروا بحثًا عن الأمان، وهناك من قرر أن ينأى بنفسه عن الأضواء حفاظًا على قناعاته، أو لاعتبارات شخصية.
من المحزن أن نرى كيف يتم التعامل مع هذه القصص الحقيقية بنوع من التهميش في الوقت الذي تبرز فيه الأسماء التي ظهرت في وقت متأخر من الثورة، وبعضها لم يكن له أي حضور ملموس في بداياتها. قد يتساءل البعض: ماذا لو لم يكن هناك هؤلاء الذين واجهوا آلة القتل والدمار في الشوارع منذ اللحظة الأولى؟ ماذا لو لم يكن هؤلاء الثوار الأوائل، الذين بنوا القاعدة الشعبية للثورة، موجودين؟ لن تكون هذه الثورة كما نعرفها اليوم.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الأكاديميين، والناشطين، والصحفيين، والأفراد، في الحفاظ على الذاكرة الحية لهذه الثورة، وعدم السماح لها بأن تُمحى أو تُشوه لصالح أجندات معينة. علينا أن نتحدث عن هؤلاء الذين استشهدوا، والذين غادروا، والذين لا يزالون يقاومون في صمت. الحفاظ على تاريخ الثورة هو جزء من نضالنا المستمر.
سورية للجميع

