لندن- عربي21
الأربعاء 14 كانون الثاني ، 2026
حلب تعيد خلط الأوراق… مستقبل اتفاق آذار بين دمشق و«قسد» إلى أين؟ – الأناضول
تشهد الساحة السورية تصعيدا ميدانيا وسياسيا متسارعا يعيد طرح التساؤلات حول مصير اتفاق العاشر من آذار/مارس الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» قسد٬ مظلوم عبدي، ولا سيما بعد العملية العسكرية التي نفذها الجيش السوري في مدينة حلب، والتوتر المتجدد في ريفها الشرقي، وسط تباين حاد في المواقف بين دمشق و«قسد»، ودخول أنقرة على خط التطورات باعتبارها طرفا مراقبا ومؤثرا في مسار الأحداث.
تصعيد ميداني شرق حلب
في أحدث التطورات، نقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» عن مصدر عسكري أن قوات «قسد» استهدفت، نقاطا للجيش السوري ومنازل مدنيين في محيط قرية حميمة شرق حلب باستخدام الطائرات المسيرة والرشاشات الثقيلة. وأكد المصدر أن الجيش رد على مصادر النيران في المنطقة.
وفي سياق متصل، كشف مصدر استخباراتي سوري، الثلاثاء، عن ما وصفه بـ«مخططات خطيرة» تنفذها «قسد»، مشيرا إلى قيامها بتجنيد مطلوبين للدولة السورية وهاربين إلى مناطق سيطرتها مقابل السماح لهم بالبقاء، إضافة إلى انضمام أعداد كبيرة من فلول النظام المخلوع ومطلوبين بجرائم مختلفة إلى صفوفها.
دمشق: لا انتقام ولا طائفية
بالتوازي مع التطورات الميدانية، شددت الحكومة السورية على أن عمليتها في حلب لا تحمل أي أبعاد انتقامية أو طائفية. وخلال مؤتمر صحفي مشترك، قال محافظ حلب عزام الغريب وقائد الأمن الداخلي في المحافظة محمد عبد الغني، إن الدولة السورية ترفض «العزف على وتر الطائفية»، مؤكديْن أن ما جرى في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود لم يكن إجراء أمنيا فقط، بل مسارا متكاملا لإعادة الحياة والاستقرار.
وأوضح الغريب أن أكثر من 155 ألف مواطن من أهالي الحيين جرى استقبالهم وتأمين مراكز إيواء مناسبة لهم، مؤكدا بدء عودة الأهالي إلى حي الأشرفية، واستمرار الجهود لضمان عودة آمنة وكاملة إلى حي الشيخ مقصود. وأضاف أن كل من ارتكب جرائم بحق المدنيين سيحاسب وفق القانون.
من جانبه، أعلن عبد الغني بدء عمليات تمشيط واسعة لإزالة الألغام وإنهاء الخطر الناجم عن شبكة الأنفاق التابعة لـ«قسد» داخل أحياء المدينة، كاشفا عن افتتاح مركزي شرطة قريبا في الأشرفية والشيخ مقصود، ومشددا على أن الدولة ستتعامل «بعين الرحمة والعدالة» مع من يترك السلاح.
ريف حلب الشرقي.. ساحة صدام محتملة
رغم انسحاب «قسد» من أحياء في حلب، لا تبدو مؤشرات التهدئة مطمئنة. فإعلان الجيش السوري منطقة دير حافر ومسكنة «منطقة عسكرية مغلقة»، بدعوى تصاعد نشاط «قسد» ومجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني وفلول النظام السابق، يفتح الباب أمام مواجهة جديدة في ريف حلب الشرقي.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس توجها ميدانيا استباقياً، في ظل تعثر تنفيذ اتفاق العاشر من آذار/مارس، ما يطرح علامات استفهام حول مستقبل التفاهمات السياسية التي نص عليها الاتفاق.
اتفاق العاشر من آذار.. بنود معلقة
الاتفاق، الذي وقع في 10 آذار/مارس 2025، نص على وقف إطلاق النار في عموم سوريا، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن مؤسسات الدولة السورية، بما يشمل المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، وضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة السياسية، ورفض مشاريع التقسيم وخطاب الكراهية، على أن تنفذ بنوده قبل نهاية عام 2025.
غير أن الحكومة السورية تتهم «قسد» التي تسيطر بالقوة على الشمال الشرقي للبلاد٬ بالمماطلة وعدم الالتزام العملي بالاتفاق، فيما تؤكد الأخيرة أن دمشق تحصره في الجانب العسكري دون تنفيذ بقية البنود السياسية والإدارية.
«قسد»: التمسك بالاتفاق مع شروط
في ردها على الاتهامات، أكد قائد «قوات الشمال الديمقراطي» المنضوية في «قسد»، أبو عمر الإدلبي، تمسك قواته بتنفيذ اتفاق العاشر من آذار/مارس، لكنه شدد على ضرورة وجود «ضمانات دولية وعربية»، وخصوصا من الولايات المتحدة.
وقال الإدلبي، في تصريحات لشبكة «رووداو» الكردية الإعلامية، إن الهجمات على سد تشرين تهدف إلى «افتعال فتنة» وجر المنطقة إلى حرب شاملة تقف خلفها «دولة إقليمية»، مؤكدا أن قيادة «قسد» تعتمد سياسة «ضبط النفس» لتفادي التصعيد. واتهم تركيا بالسعي إلى إخضاع المنطقة وإفشال الاتفاق.
تركيا: فرصة تاريخية لتنفيذ الاتفاق
من جهتها، اعتبرت تركيا أن ما جرى في حلب يمثل فرصة لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار/مارس. وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن تطهير حلب من عناصر «وحدات الحماية الكردية» يشكل خطوة مهمة نحو تحقيق سلام دائم في سوريا، مؤكدا أن بلاده لن تسمح بتهديد أمنها أو تقويض «الأخوة بين الأتراك والعرب والأكراد».
وأشار أردوغان إلى أن الاتفاق يتقاطع مع مسار «تركيا خالية من الإرهاب»، الذي يشمل حل حزب العمال الكردستاني وإلقاء سلاحه، مؤكدا أن أنقرة تراقب التطورات عن كثب وستواصل جهودها لدعم تنفيذ الاتفاق.
ميدانيا، أرسل الجيش السوري، منذ مساء الاثنين الماضي، تعزيزات إلى شرق حلب بعد رصد وصول مجموعات مسلحة تابعة لـ«قسد». وكانت اشتباكات السادس من كانون الثاني/يناير الجاري قد أسفرت عن مقتل 24 شخصا وإصابة 129 آخرين، وفق «سانا»، قبل أن تنتهي العملية العسكرية في العاشر من الشهر بسيطرة الجيش على الأحياء المستهدفة.
مهلة الاتفاق انتهت
في قراءة تحليلية، يرى الكاتب والمحلل السوري أحمد كامل٬ أن الحكومة السورية التزمت باتفاق العاشر من آذار/مارس «بنسبة 100 في المئة»، لكن الاتفاق كان محدد المهلة حتى نهاية عام 2025، وقد انتهت هذه المهلة دون تنفيذ فعلي من جانب «قسد».
ويؤكد كامل أن إنقاذ الاتفاق يتطلب خطوات عاجلة من «قسد» لتنفيذ نسبة ملموسة من بنوده، محذرا من أن استمرار التعطيل سيقود إلى مواجهة عسكرية، كما حدث سابقا في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب.
ويذهب الكاتب إلى أن «قسد» تنظيم عسكري لا يجيد العمل السياسي، ويستند في نفوذه إلى سيطرته على مساحات واسعة من الأراضي السورية ومعظم الثروات، رغم أن غالبية السكان في هذه المناطق من العرب.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن اتفاق العاشر من آذار/مارس يقف عند مفترق طرق حاسم. فإما أن يعاد إحياؤه عبر تنازلات متبادلة وضمانات دولية، أو أن تطغى لغة السلاح على السياسة، بما ينذر بجولة جديدة من الصراع قد تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من ريف حلب وحدوده.

