الشهيد محمود محمد مرشد المدلل، أبو مرشد
في الثاني والعشرين من نيسان عام 2015، استُشهد الأخ محمود محمد مرشد المدلل، أبو مرشد، نتيجة قصف نفّذه الطيران الحربي الأسدي على مدينة حرستا في ريف دمشق. لم يكن استشهاده حادثة منفصلة عن سياق الاستهداف المنهجي للكوادر المدنية والوطنية، بل جاء في إطار سياسة واضحة هدفت إلى كسر حضور الشخصيات التي بقيت إلى جانب الناس، وتحملت مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية حتى اللحظة الأخيرة. لقد سقط في مدينته، وبين أهلها، في المكان الذي اختاره ساحةً لعمله وخدمته، مؤكّداً أن الالتزام الحقيقي لا ينفصل عن التضحية.
بهذه الروح يستحضر حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي سيرة أحد كوادره الذين لم تكن علاقتهم بالحزب شكلية أو موسمية، بل علاقة انتماء راسخ ومسؤولية يومية، تجلّت في الموقف والعمل والسلوك. لم يكن محمود المدلل ابن لحظة انفعال أو حماسة عاطفية، بل امتداداً لمسار طويل من الوعي السياسي والعمل الاجتماعي، بدأ في بيته قبل أن يتجسد في حياته العامة.
فوالده محمد مرشد كان من الرعيل الأول الذين انتسبوا إلى حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي منذ تأسيسه عام 1964، في مرحلة كان الانتماء فيها موقفاً شجاعاً يحمل في طياته تبعات سياسية وأمنية واجتماعية قاسية. في هذا المناخ نشأ محمود، فتشرّب معنى الانتماء والمسؤولية، وانتقلت إليه فكرة أن الحزب ليس إطاراً تنظيمياً فحسب، بل خيار حياة وموقفاً أخلاقياً متكاملاً.
وُلد محمود محمد مرشد المدلل في مدينة حرستا بتاريخ 22 شباط 1968، ونشأ في بيئة شعبية بسيطة، رأت في العمل والصدق والاستقامة معايير للكرامة الإنسانية. تلقّى تعليمه في مدارس مدينته، ثم التحق بالمعهد التقاني للهندسة الميكانيكية وتخرّج منه، حاملاً اختصاصاً تقنياً انعكس على شخصيته العملية والمنظمة، وعلى طريقته في مقاربة شؤون الحياة والعمل العام بعقلية مسؤولة ومنهجية دقيقة.
في 11 تشرين الثاني 1995 تزوّج من السيدة ندى المدلل، وأسّسا معاً عائلة قائمة على الاستقرار والمسؤولية المشتركة. رُزق بخمسة أبناء: الشهيد مرشد، وأسماء، وبيان، ومنار، ورزان. ولم تكن حياته العائلية بعيدة عن خياراته الوطنية، بل كانت امتداداً لها، قائمة على القيم نفسها من الالتزام وتحمل الأعباء دون ضجيج أو ادّعاء.
نشط محمود المدلل في فرع ريف دمشق للحزب، وكان حضوره فيها تعبيراً عن قناعته العميقة بأهمية العمل المدني المنظم، وبأن الدفاع عن قضايا الناس يحتاج إلى تنظيم وصبر واستمرارية، لا إلى ردود أفعال مؤقتة. من خلال هذا الدور، تكرّست صورته كشخصية موثوقة تجمع بين الهدوء والحزم، وبين الواقعية والالتزام المبدئي.
وانتمى إلى حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي انتماءً واعياً ومتجذراً. لم يكن انخراطه في الحزب بحثاً عن موقع أو صفة، بل خياراً فكرياً وأخلاقياً، جعل من الحزب إطاراً ناظماً لنشاطه السياسي والمدني، ومرجعية ثابتة لمواقفه. كان يرى في الحزب تعبيراً عن مشروع وطني يقوم على الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ويضع الإنسان في مركز السياسة لا في هامشها.
مع انطلاق الثورة السورية في آذار 2011، كان محمود المدلل في الصفوف الأولى في حرستا. لم ينتظر تبدّل موازين القوى ولا اتضاح صورة المشهد، بل انحاز منذ البداية إلى مطالب الناس بالحرية والكرامة. مارس دوره بهدوء وثبات، بعيداً عن الاستعراض، معتمداً على علاقاته الاجتماعية وثقة الناس به، وعلى إيمانه بأن العمل العام مسؤولية أخلاقية لا تُؤجَّل ولا تُساوَم.
امتد حضوره من المشاركة إلى التنظيم والمتابعة، وإلى المساهمة في الحفاظ على الطابع المدني للحراك في مدينة واجهت مبكراً القمع والحصار. وفي ظروف كانت الفوضى مرشحة لأن تصبح واقعاً دائماً، اختار أن يكون جزءًا من محاولة ترتيب شؤون الناس، وحماية ما يمكن من النسيج الاجتماعي، والحفاظ على الحد الأدنى من انتظام الحياة في بيئة قاسية.
ودفع ثمن هذا الخيار مرتين. فقد استُشهد ابنه مرشد في 14 تشرين الثاني 2012 أثناء إسعافه للجرحى نتيجة قصف نفّذه النظام الأسدي على مدينة حرستا- غربي الاتستراد، ليكون بذلك أول شهيد في هذه العائلة المناضلة. لم يكن استشهاده مجرد خسارة عائلية، بل شهادة حيّة على أن هذه الأسرة دفعت ثمن موقفها الوطني كاملاً، وأن الانتماء مثل لها مساراً التزمت به حتى النهاية.
ثم لحق الأب بابنه شهيداً على الأرض نفسها، ليكتمل المشهد المأساوي لعائلة قدّمت أغلى ما لديها دفاعاً عن الحرية والكرامة. هذا التتابع لم يكن مصادفة، بل نتيجة طبيعية لخيار وطني واضح، حملته العائلة عبر جيلين: من الأب المؤسس في صفوف الحزب منذ عام 1964، إلى الابن المناضل، وصولاً إلى الحفيد الشهيد.
إن استشهاد محمود محمد مرشد المدلل بقصف الطيران الحربي في حرستا بتاريخ 22 نيسان 2014 يعبّر بوضوح عن طبيعة المرحلة، وعن استهداف كل من مثّل قيمة مدنية مستقلة عن منطق القمع والقوة العارية. لقد استُهدف لأنه بقي في مدينته، ولأنه لم يتخلَّ عن مسؤوليته تجاه أهلها، ولأنه اختار أن يكون جزءًا من حياتهم اليومية في زمن الخطر.
سيرته تختصر نموذجاً من النضال الصامت: نضال يقوم على الحضور الدائم، وعلى الإيمان بأن السياسة ليست خطاباً فقط، بل موقف أخلاقي مستمر، يتجسد في السلوك وتحمل المسؤولية والبقاء إلى جانب الناس حتى النهاية. لم يكن من الباحثين عن الأضواء، بل من الذين يعملون في الظل، ويتركون أثرهم في تفاصيل الحياة اليومية للناس.
وإذ يحيّي حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي ذكرى أحد كوادره وشهدائه، يؤكد أن محمود المدلل كان جزءًا أصيلاً من مسيرته الوطنية، ومن التزامه التاريخي بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية كقيمة دستورية ومبدأ للحكم. لقد مثّل في حياته اليومية المعنى الحقيقي للانتماء الحزبي: أن يكون الحزب فعلاً في الواقع، وخدمةً للناس، واستعداداً دائماً لدفع الثمن.
سيبقى اسم محمود محمد مرشد المدلل حاضراً في ذاكرة الحزب وذاكرة حرستا وريف دمشق، بوصفه شاهداً على مرحلة، وعلى خيار وطني لم يتراجع أمام القمع ولا أمام الخوف. مضى شهيداً، وبقيت سيرته علامة على الطريق، ودليلاً على أن الالتزام الصادق لا يُمحى مهما طال الزمن أو اشتدت المحن.
مكتب الإعلام
حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي

