مقال لياسر الزعاترة
إذا حاكمنا البيان بلغة المبادئ، وما تعارفت عليه الأمّة وقواها الحيّة، وحتى معظم أنظمتها، باستثناء “حلف أبراهام”، فهو كارثي بامتياز، لكن محاكمته بلغة السياسة لا تشير إلى “ذكاء” كما سيراه البعض، بقدر ما تعكس “تجريبا للمجرّب”، وسيْر على خطى سلطة “أوسلو” ومن يمضي على شاكلتها.
وحين نتذكّر توقيت البيان، فسيكون الوضع أكثر سوءا بكثير، إذ يأتي في وقت يتغيّر فيه الخطاب السعودي حيال “الكيان”، ويتصاعد فيه النزاع مع تركيا، ويُسفر فيه الصهاينة عن عبث استثنائي بالمنطقة، ليس في غزة والضفة الغربية وحسب، ولا حتى في سوريا ولبنان، بل في عموم المنطقة، بدليل قصة “صوماليلاند” وشهية التقسيم التي باتت واضحة واستفزّت عموم الوضع العربي والإسلامي، باستثناء جدّ محدود، ومعروف الوجهة، وبدليل التحالف القوي الناشئ مع اليونان وقبرص، وسياسة “شدّ الأطراف” والتحالف مع “الأقليّات” المعروفة في أدبيات الصهاينة من زمن قديم. ولك أن تضيف هنا هذه اللحظة الأمريكية “العاهرة” كما تعكسها عربدة ترامب في فنزويلا ووعوده لإيران وكوربا والمكسيك وكولومبيا وغريدنلاند.
وإذا جئنا إلى سوريا ذاتها، فالموقف هنا أكثر وضوحا، إذ يصرخ الصهاينة ليل نهار، بأنهم لن يسحبوا قواتهم إلى المواقع التي كانت فيها عشية سقوط نظام بشار، فيما يصرّون على دعم الانفصاليين الدروز، بل يتواصلون مع بعض العلويين في الساحل، فيما لا يخفون دعمهم لنوايا الانفصال عند “قسد”، وهو ما تدعمه أمريكا ضمنيا.
إقرأ هذه الفقرة من البيان في ضوء ذلك كله:
“اتفق الطرفان على إنشاء آلية تنسيق مشتركة -خلية اتصالات مخصصة- لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة”.
إنها كلام يصدر عن صديقين وقع بينهما خلاف عابر، وتوسّط بينهما صديق مشترك، وليس كلاما يخصّ عدوا محتلّا وصائلا ومتغطرسا يتبجّح بالهيّمنة على المنطقة، ويصوغه وسيط يتحدث أيضا عن “أمركة” لذات المنطقة بشعارات التنمية والازدهار، فيما يدرك الجميع أن مصلحة “الكيان” هي ثابته الوحيد.
سيحدّثنا البعض عن فوائد ما لما جرى بوقف الاعتداءات الصهيونية (لن تتوقف عمليا إلا إذا انتفت الحاجة إليها)، وهذا طبيعي، لكن سؤال السياسة الأكبر هو ذاته دائما ممثلا في الموازنة بين مصالح ومفاسد، وهنا لا يشكّ عاقل أبدا في أننا إزاء بيان كارثي.. هذا بلغة المصالح، فضلا عن المبادئ.
بيان لن يوقف العبث الصهيوني الأمريكي، لا في سوريا ولا في عموم المنطقة، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى تعاون عربي إسلامي شامل لوقف الهجمة الجديدة المسعورة لإعادة تشكيل المنطقة على مقاس “سيّد صهيوني” لم يعد يخفي برنامجه كما كان يفعل من قبل.
مع سوريا ووحدتها وشعبها الأبي الذي قدّم أعظم التضحيات في ثورته النبيلة، وهو موقف يجعل النصح الصادق أكثر من ضرورة.
والله حسبنا ونعم الوكيل.
