29 يناير/كانون الثاني 2026
في ذكرى رحيله
لم يكن محمد عبد المجيد منجونه اسماً يمرّ في الحياة السياسية السورية مروراً بدون ترك بصمة، ولا رجلاً ارتبطت صورته بمنصب أو مرحلة محددة، بل كان واحداً من أولئك الذين يُقاس حضورهم بعمق التجربة التي عاشوها وبالثمن الذي دفعوه دفاعاً عن قناعاتهم. لم يعرف السياسة على أنها طريقاً للنفوذ أو للوجاهة، بل عرفها منذ بداياته المبكرة فعلاً أخلاقياً، ومسؤولية شخصية، واختياراً طويل النفس لا يُبدَّل مع تغيّر الظروف.
وُلد في حلب، بتاريخ 15 / تموز / 1937 في منطقة الأصيلة، المعروفة أيضاً بـ “القصيلة”، وتحديداً في حارة “التونبوغا”. نشأ في بيت بسيط لعائلة كبيرة مؤلفة من أحد عشر طفلاً. لم يكن في ذلك البيت ما يميّزه عن بيوت كثيرة في أحياء حلب الشعبية، سوى ما تركه من أثر في تكوينه: الإحساس المبكر بقيمة التضامن، ومعنى الكرامة، وأن الفقر لا يُنتقص منه الإنسان، بل يكشف جوهره. في هذا الوسط تشكّلت شخصيته الأولى، قريبة من الناس، حادّة في موقفها من الظلم، وصريحة في انحيازها إلى البسطاء.
أول احتكاك مباشر له مع السلطة كان وهو فتى، في عام 1953، حين شارك في الاحتجاجات الطلابية ضد نظام أديب الشيشكلي. كان ذلك زمناً لم يكن فيه الاعتقال بالأمر الطبيعي، بل رسالة واضحة بأن السياسة في سوريا ستُدفع أثمانها مبكراً وبقسوة. تلك التجربة لم تردعه، بل ثبتت في داخله قناعة سترافقه حتى آخر حياته: أن الصمت أمام الاستبداد شكل من أشكال المشاركة فيه.
بعد انقلاب 8 آذار 1963 دخلت البلاد مرحلة جديدة من الحكم الأمني، وتحوّل الاعتقال إلى أداة منظمة لإخضاع المجتمع. في تلك السنوات بدأت التوقيفات تتكرر في حياة عبد المجيد منجونه، ثم ازدادت كثافة بعد انقلاب عام 1966. بين 1966- 1970 عاش سلسلة من الاعتقالات المتلاحقة، إلى درجة أنه حين كان يُسأل لاحقاً عن عددها ومدتها، كان يبتسم ويقول: “لا أذكر”. لم يكن ذلك تهرّباً من الجواب، بل توصيفاً صادقاً لزمن أصبح فيه التوقيف حالة متكررة لا تُحصى.
في عام 1964، ومع تأسيس حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، انخرط منجونه في الحزب منذ لحظته الأولى. لم يكن من الذين التحقوا لاحقاً، بل من الجيل المؤسس الذي رأى في الحزب تعبيراً صادقاً عن مشروع قومي وحدوي ديمقراطي يجمع بين العروبة والعدالة الاجتماعية والحرية السياسية. ومنذ تلك اللحظة لم يكن انتماؤه شكلياً ولا مرحلياً، بل التزاماً كاملاً امتدّ لعقود. ومع مرور السنوات أصبح واحداً من الأعمدة الأساسية للحزب، ومن القيادات التي ساهمت في صياغة خطه السياسي وفي حماية استقلاله.
في خضم هذه الحياة القاسية، تابع دراسته في كلية الحقوق بجامعة حلب، وتخرّج عام 1969. تأخّره في التخرّج لم يكن تقصيراً دراسياً، بل نتيجة طبيعية لمسار سياسي فرض عليه التوقف والانقطاع أكثر من مرة. شهادته في الحقوق لم تكن مجرد ورقة أكاديمية، بل تعبيراً عن إرادة شخصية جمعت بين طلب العدالة نظرياً والدفاع عنها عملياً، حتى حين كان ثمن ذلك السجن والتوقيف.
عام 1971 أصبح عضواً في هيئة نيابية، في مرحلة كانت البلاد فيها تعيش ارتباكاً مؤسسياً وتشريعياً. دخوله إلى العمل النيابي لم يكن خروجاً من موقع المعارضة، بل محاولة لإثبات أن العمل العام لا يجب أن يُحتكر من السلطة، وأن السياسة يمكن أن تُمارس داخل المؤسسات كما تُمارس في الشارع والنقابة. لم يغيّر ذلك من طبيعته ولا من خطه، بل بقي الرجل نفسه، الذي يرى في المنصب أداة خدمة للشعب.
في تلك السنوات ترسّخ موقعه داخل الحزب، وصولاً إلى تحمّل مسؤوليات عليا، من بينها موقع الأمين العام المساعد وعضوية المكتب السياسي. لم يكن من هواة الظهور الإعلامي، ولا من الباحثين عن الأضواء، لكن حضوره داخل دوائر القرار الحزبي كان واضحاً، وصوته مسموعاً، واحترام رفاقه له نابعاً من تاريخه الشخصي قبل موقعه التنظيمي.
ومع تشكيل الجبهة الوطنية التقدمية في 7 اذار 1971، شارك حزب الاتحاد الاشتراكي العربي في الحكومة، وكان عبد المجيد منجونه ممثلاً لحزبه فيها. دخوله الحكومة لم يكن تنازلاً عن قناعاته، بل اختباراً عملياً لفكرة الشراكة الوطنية التي أُعلن عنها. وحين تبيّن أن الجبهة ليست سوى إطار شكلي يكرّس هيمنة السلطة والحزب الواحد “قائد الدولة والمجتمع”، بدل أن يفتح المجال لشراكة حقيقية، التزاماً بقرار حزبه، احتجاجاً على نقض الوعود وتحويل المشاركة إلى ديكور سياسي. ذلك الانسحاب لم يكن قراراً بسيطاً، بل كان عودة واعية إلى موقع المعارضة الحقيقية، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر.
في عام 1979 تشكّل التجمع الوطني الديمقراطي، كإطار جمع عدداً من الأحزاب والقوى الوطنية الديمقراطية المعارضة لحكم حافظ الأسد، وكان حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي من الأحزاب المؤسسة لهذا التجمع. داخل هذا الإطار، برز محمد عبد المجيد منجونه كأحد القيادات الأساسية، لا بشخصه ممثلاً لحزب فقط، بل كصوت معارض وطني يربط بين التجربة الحزبية الخاصة والمشروع الديمقراطي العام. كان التجمع بالنسبة إليه امتداداً طبيعياً لمسار بدأه منذ شبابه، حلماً تحقق، يقوم على بناء معارضة منظمة، واضحة، ومسؤولة.
عام 1980 شكّل نقطة التحول الأشد قسوة في حياته. مع اندلاع انتفاضة حلب الشعبية، قاد نضال نقابة المحامين دعماً للحراك، بالتنسيق مع النقابات المهنية العلمية الأخرى، وكان من الذين وقعوا على بيان النقابات الداعي للإضراب العام والعصيان المدني في مواجهة السلطة، واستخدامها للعنف المسلح كما للعنف المسلح المضاد، وكان أحد نخب الخلايا التي دعت الأسواق والتجار في حلب للالتزام بالأضراب، حيث أن أسواق حلب أغلقت ملتزمة بالإضراب لمدة اسبوع، مما دفع الأجهزة الأمنية والشرطية لكسر أقفال المحال التجارية وفتحها عنوةً عن أصحابها . لم يكن ذلك تحركاً نقابياً تقنياً، بل موقفاً وطنياً صريحاً في مواجهة سلطة أرادت كسر المدينة وإخضاع مجتمعها. فجاء الاعتقال الكبير، الذي امتد من عام 1980 حتى عام 1990، عشر سنوات كاملة من السجن، بدايتها كانت اربعة أشهر من التعذيب الجسدي في الحبس الانفرادي على يد رئيس فرع أمن الدولة عمر حميدة، ليكتشف حقد حافظ الأسد الشخصي عليه، يوم رمى منجونه مفتاح سيارة الوزير في وجهه ، في اجتماع مجلس الوزراء ليعلن -في موقف وطني صادق يسجل له -انسحاب الحزب من الجبهة الوطنية التقدمية، عام 1973، احتجاجاً على المادة الثامنة من الدستور التي كانت تنص على أن حزب البعث يقود الدولة والمجتمع والجبهة الوطنية التقدمية.
عشر سنوات ليست رقماً طبيعياً في حياة إنسان. هي عمر كامل يُقاس بتغيّر الزمن، وبالتحوّلات التي تحدث خارجه وهو محبوس خلف الجدران. في تلك السنوات عاش أقسى أشكال العزلة، ومحاولات كسر الإرادة، واختبار الصبر الطويل. ومع ذلك، خرج منها دون ادعاء بطولة، ودون أن يحمل في داخله رغبة في الانتقام. خرج ثابتاً على قناعته القديمة: أن الحرية تستحق هذا الثمن، وأن التراجع أمام القمع ليس خياراً.
بعد خروجه من السجن عام 1990، لم يدخل منجونه مرحلة “الاستراحة السياسية”، ولم يتعامل مع السنوات العشر التي قضاها معتقلاً على أنها نهاية لمسيرته، عاد إلى حياته بهدوء يشبه هدوءه الدائم، وكأن ما جرى جزء طبيعي من الطريق الذي اختاره منذ شبابه. لم يحمل معه لغة مرارة، ولا رغبة في تصفية حساب، بل عاد إلى موقعه كما كان: رجل موقف، لا رجل ردّ فعل.
لم تمضِ فترة طويلة حتى أعادت السلطة تذكيره بأن السجن لم يكن حادثة استثنائية في حياته، بل سياسة مستمرة تجاه من يرفض الخضوع. تعرّض بعد الإفراج عنه لعدة اعتقالات، يُرجّح أنها ثلاث مرات، في عامي 1992 و1993، أطولها استمر نحو ثلاثة أشهر. لم تكن تلك الاعتقالات بحجم اعتقاله الكبير، لكنها كانت رسالة واضحة بأن النظام لا يغفر لمن كسر هيبته سابقاً، ولا ينسى من بقي خارج دائرة الولاء. ومع ذلك، لم يسعَ منجونه إلى حماية نفسه عبر الانسحاب من المجال العام، ولا إلى تقليص حضوره السياسي طلباً للأمان الشخصي.
في تلك المرحلة، كان حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي قد رسّخ موقعه كأحد أعمدة المعارضة الوطنية السورية، وكان منجونه جزءًا من هذا الحضور المستمر، لا كرمز تاريخي فحسب، بل كقيادي فعلي، حاضر في النقاشات السياسية، وفي المواقف العامة، وفي محاولة إبقاء العمل المعارض ضمن أفق وطني مسؤول، بعيد عن المغامرة، وبعيد في الوقت نفسه عن الاستسلام، ومصدِّراً لمواقف الحزب الوطنية والقومية المبدئية التي كان قد آمن بها وتمثلها في شخصه وسلوكه.
منذ تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي عام 1979، ظلّ الحزب جزءًا من هذا الإطار المعارض، وكان عبد المجيد منجونه أحد وجوهه القيادية البارزة. التجمع لم يكن بالنسبة إليه مجرّد مظلة تنظيمية، بل محاولة جادة لبناء معارضة سياسية منظمة، تمتلك برنامجاً وطنياً واضحاً، وتوازن بين رفض الاستبداد ورفض الارتهان للخارج. داخل هذا السياق، كان حضوره يتسم بالهدوء، وبالقدرة على الربط بين المبادئ الكبرى والوقائع اليومية، دون خطاب متشنج أو اندفاع غير محسوب.
ومع اندلاع الثورة السورية المجيدة في آذار من العام 2011، دخلت البلاد مرحلة جديدة، أكثر تعقيداً وخطورة. وفي تلك اللحظة، لم يتعامل عبد المجيد منجونه مع المشهد بمنطق القطيعة مع تاريخه، ولا بمنطق التردد. كان واضحاً في موقفه من ضرورة التغيير، وواضحاً في الوقت نفسه في رفض الانزلاق إلى العنف أو الارتهان لأي مشروع خارجي، حيث أنه كان على رأس أول وأكبر تحّشد ومظاهرة شعبية شهدتها حلب في تاريخها الحديث نصرة لدرعا وحمص بتاريخ 17 نيسان 2011 في ساحة قبر الجندي المجهول وقبر الزعيم الوطني”ابراهيم هنانو”. من هذا الموقع، شارك في تأسيس هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، التي صدرت وثيقتها التأسيسية في تاريخ 30 حزيران 2011.
تأسيس هيئة التنسيق الوطنية لم يكن حدثاً تنظيمياً فحسب، بل تعبيراً عن مسار كامل عاشه منجونه منذ شبابه: البحث الدائم عن معارضة وطنية، مستقلة، قادرة على الجمع بين مطلب الحرية والحفاظ على وحدة البلاد، وبين رفض الاستبداد ورفض الفوضى. وجوده بين مؤسسي الهيئة كان امتداداً طبيعياً لدوره في الحزب، وفي التجمع الوطني الديمقراطي، وفي كل محاولة سابقة لبناء معارضة سياسية ذات معنى.
على صعيد حياته الشخصية، كان عبد المجيد منجونه أباً رؤوماً قبل أن يكون رجل سياسة. تزوّج في 13 آب 1967 من السيدة رويده مزيك، وأنجب من الأبناء والبنات: خولة، وضرار، وهبة الله، وعبد الناصر، وياسمين. لم تكن العائلة بالنسبة إليه هامشاً في حياته، بل جزءًا من المعركة الصامتة التي يخوضها كل مناضل. سنوات السجن الطويلة لم تكن قاسية عليه وحده، بل على زوجته وأولاده، الذين عاشوا انتظاراً ثقيلاً، وقلقاً دائماً، وحرماناً من حضور الأب في مراحل مفصلية من حياتهم. ومع ذلك، بقي البيت متماسكاً، وبقي الرابط الإنساني بينه وبين عائلته أقوى من كل ما حاولت السجون أن تكسره.
الذين عرفوه عن قرب لا يصفونه بخطابة عالية، ولا بحضور صاخب، بل بصلابة هادئة. كان قليل الكلام، محسوب العبارة، لا يرفع صوته إلا عند الضرورة، ولا يبدّد كلماته في غير موضعها. بل كان يستهوي سماع آراء الآخرين ممن حوله صاغيا بعقله وقلبه، ولم يكن يسعى إلى الظهور، ولا إلى تسجيل المواقف باسمه، بل إلى تثبيت الموقف نفسه، بصرف النظر عمّا يُنسب إليه.
وعندما يُقال اليوم إنه كان “قيادياً في الحزب”، فالمقصود أكثر من موقع تنظيمي. المقصود أنه كان جزءًا من العمود الفقري لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي منذ تأسيسه عام 1964، وأنه شارك في صياغة هويته السياسية، وفي الدفاع عن استقلاله، وفي تحمّل كلفة بقائه خارج منظومة السلطة. الحزب لم يكن بالنسبة إليه غاية، بل وسيلة.
وكذلك حين يُقال إنه كان من قيادات التجمع الوطني الديمقراطي، فذلك لا يعني فقط حضوره في اجتماعاته أو تمثيله لحزبه داخله، بل يعني مساهمته الفعلية في ترسيخ فكرة المعارضة الوطنية المنظمة، التي لا تستبدل استبداداً بآخر، ولا تستقوي بالخارج على الداخل، ولا تختصر السياسة في ردّ فعل على القمع.
وحين يُقال فقط أنه كان من مؤسسي هيئة التنسيق الوطنية، فإن ذلك يضعه في قلب اللحظة السورية الأخطر، في محاولة أخيرة للحفاظ على معنى السياسة في زمن الانهيار، ونستذكر أيضاً أنه كان :
•عضو اتحاد المحامين العرب
•عضو مؤسس في المؤتمر القومي العربي
•عضو المؤتمر القومي الإسلامي
•أحد الموقعين على إشهار المنظمة العربية لحقوق الانسان – فرع سورية
•كان أحد الموقعين على البيان التأسيسي لإعلان دمشق الذي انسحب منه الحزب فيما بعد
•كان أحد الموقعين على ما عرف ببيان بيروت دمشق والذي وقع عليه أكثر من ألف شخصية سورية سياسية، وأدبية، واجتماعية.
•كان من الداعين لتأسيس العديد من لجان المجتمع الأهلي والمدني، منها اللجنة الأهلية لمناهضة الصهيونية، واللجنة الأهلية لنصرة فلسطين، واللجنة الأهلية لنصرة العراق، واللجنة الشعبية لمقاطعة البضائع الأمريكية والغربية
•من المؤسسين لمنتدى عبد الرحمن الكواكبي للحوار الديمقراطي
رحل عبد المجيد منجونه في 29 كانون الثاني 2020، بعد حياة طويلة عاشها في مواجهة السلطة حين كانت المواجهة ثمنها السجن، وفي تحمّل المسؤولية حين كانت المسؤولية عبئاً لا مكسباً، وفي بناء المعارضة حين كان بناؤها أصعب من هدم أي شيء.
لم يكن رجل مرحلة، ولا رجل مناسبة. كان رجل خطّ واضح، بدأ منذ شبابه، ولم ينقطع حتى آخر يوم في حياته.
خطّ يقوم على فكرة بسيطة، لكنها مكلفة:
أن السياسة ليست حرفة، بل موقف.
وأن الانتماء التزام طويل النفس.
مكتب الاعلام
حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي

