دمشق – 6 تشرين الثاني 2025
أجرت منصة بوديوم سوريا حواراً مطوّلاً مع الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، المهندس أحمد العسراوي، عضو المكتب التنفيذي في هيئة التنسيق الوطنية، تناول فيه ملامح المرحلة السورية الراهنة، وقراءة الواقع السياسي والاقتصادي والأمني بعد سقوط النظام البائد، وما تواجهه الإدارة الانتقالية من تحديات ومسؤوليات وطنية جسيمة.
منذ السؤال الأول: من يحكم سوريا اليوم؟
بدا العسراوي واضحاً في رؤيته، إذ اعتبر أن الظروف الموضوعية التي نشأت منذ ثورة 2011 هي الحاكم الفعلي لمشهد البلاد، وأن سوريا ما تزال تعيش حالة استثنائية غير طبيعية تحاول الإدارة الحالية ترميمها. فالمطلوب – كما قال – قراءة المشهد بموضوعية لتجاوز الآلام والدمار والانتقال نحو بناء وطني جديد.
ويرى العسراوي أن خروج سوريا من أزماتها لن يتحقق إلا بتعاون جميع السوريين، لأن المرحلة الراهنة مؤلمة بكل أبعادها، مهما جرى تجميلها. وهي تتطلّب وعياً جماعياً قادراً على تحويل الألم إلى عمل مشترك، وخلق توازن بين طموح الشعب وإمكانات الدولة.
في حديثه عن تطلعات السوريين بعد زوال النظام، شدّد العسراوي على أن الشعب السوري لا يطلب أكثر من الأمن والأمان ولقمة العيش. فالحكومة الانتقالية خطت خطوات أولى في إعلان دستوري وانتخابات تشريعية، ورغم الملاحظات عليها، إلا أنها أسهمت في إشاعة شعور نسبي بالاستقرار والانفتاح على العالم. لكنه أوضح أن بناء العلاقات الدولية يجب أن ينطلق من المصالح المتبادلة لا من الإملاءات، وأن رفع العقوبات عن الدولة السورية ورموزها خطوة ضرورية لإعادة الإعمار.
وانتقد العسراوي بشفافية بعض السياسات التي قد لا تنسجم مع الإرادة الشعبية، مؤكداً أن القضايا المصيرية – مثل وحدة سوريا واستقلالها وحريتها ومشاركة القوى الوطنية في إدارتها – لا يمكن المساومة عليها. كما أشار إلى الصراع الدولي على الأرض السورية، واعتبر أن ملفات الجولان المحتل، والضغوط الإسرائيلية في الجنوب، والانقسامات في الشمال، كلها قضايا وطنية لا يجوز تجاوزها بخفة أو مجاملة.
وفي معرض تقييمه لأداء الحكومة الانتقالية، قال العسراوي إنّها لا تستطيع وحدها مواجهة جميع التحديات، لكنها مطالبة بالانفتاح على القوى السياسية وبناء جبهة داخلية متماسكة. وأوضح أنّ دعم الإجراءات الإيجابية لا يعني الصمت عن الأخطاء، فالحزب سيبقى رافِعاً صوته دفاعاً عن المصالح الوطنية، وفي الوقت نفسه مسانداً لأي خطوة صحيحة تقوم بها الإدارة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
عن دور حزب الاتحاد الاشتراكي وهيئة التنسيق الوطنية، ذكّر العسراوي بتاريخ الحزب الذي تأسس عام 1964، وواجه الاستبداد بشجاعة ودفع ثمن مواقفه سجناً وتعذيباً. وأكد أن التفاعل الإيجابي مع الإدارة الحالية لا يعني التنازل عن الثوابت، بل العمل الواقعي لإصلاح ما يمكن إصلاحه.
وفي ملف العلاقات السياسية، أوضح العسراوي أن الهيئة والحزب يتعاملان بإيجابية مع بعض قرارات الإدارة كإعادة الدبلوماسيين وتفعيل دور الضباط المنشقين، مع التحفظ على قرارات أخرى مثل حلّ حزب البعث وأحزاب الجبهة، معتبراً أن معالجة هذه المسائل ينبغي أن تتم في إطار وطني شامل لا بردّات فعل سياسية.
أما بخصوص القرار الأممي 2254، فبيّن أن روح القرار لا تزال قائمة رغم تعطّل آلياته، لأن جوهره هو تشكيل حكومة انتقالية ديمقراطية تشاركية لكل السوريين. ودعا العسراوي الإدارة إلى عقد مؤتمر وطني عام يكون بديلاً عملياً للمفاوضات المجمدة، ويجمع مختلف القوى الوطنية لبناء رؤية سورية مستقلة بعيداً عن الوصاية الدولية.
وحول الوضع الأمني، شدّد العسراوي على أن الشعب السوري بريء من الإرهاب، وأن ما يحدث من جرائم أو فوضى هو من بقايا النظام السابق وشبكاته. واعتبر أن من واجب الإدارة ضبط هذه الحالات تدريجياً وإعادة تشغيل المعامل والمصانع لخلق بيئة اقتصادية تُمكّن المواطنين من استعادة الثقة بالدولة.
اقتصادياً، رأى العسراوي أن الاستثمار الخارجي أصبح ضرورة في ظل انهيار الاقتصاد، شريطة أن يكون في مصلحة الشعب السوري لا على حسابه، داعياً إلى “تزاوج اقتصادي وطني – دولي” يعيد تشغيل عجلة الإنتاج دون تفريط بالسيادة.
وفي المقابل، رفض اتهام الفصائل الوطنية بارتكاب مخالفات فردية، معتبراً أن الإدارة مسؤولة عن كل ما يجري وعليها أن تضمن الأمن المعيشي للمواطنين. واستعاد في هذا السياق تجارب النظام البائد الذي كان يبرر الفساد بالأخطاء الفردية، ليؤكد أن تكرار هذا النهج مرفوض تماماً.
انتقل الحديث إلى المعارضة السياسية، فذكّر العسراوي بتاريخ الحزب الذي رفض دستور 1973 وواجه حكم آل الأسد منذ بدايته، مشيراً إلى أن المعارضة اليوم تتخذ طابعاً ترشيدياً لا تصادمياً، إذ انتقلت معظم القوى الوطنية من موقع المعارضة للنظام البائد إلى موقع المشاركة النقدية في دعم الإدارة الانتقالية نحو الإصلاح.
وفي الشأن الدولي، علّق على الزيارة المرتقبة للرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن قائلاً إنها خطوة تهدف لإعادة بناء العلاقات السورية مع العالم، وليست مسألة شخصية أو دبلوماسية ضيقة. وأوضح أن هيئة التنسيق لم تؤيد قانون قيصر لأنه عاقب الشعب لا النظام، معتبراً أن رفع العقوبات ضرورة وطنية لبدء الإعمار.
ورأى العسراوي أن العلاقات الدولية يجب أن تُبنى وفق مصلحة سوريا، منفتحين على الجميع – عرباً وإقليميين ودوليين – دون استثناء، شرط أن يكون الهدف هو خدمة الشعب السوري. وحدّد الأولويات بوضوح:
العلاقات العربية أولاً، الإقليمية ثانياً، ثم الدولية.
أما في الموقف القومي، فجاء تصريحه حاسماً:
إسرائيل بالنسبة لنا عدو، ولن نتنازل عن الجولان بأي شكل من الأشكال.
وشدّد على أن تثبيت اتفاقية فصل القوات عام 1974 إجراء أمني لا سياسي، مؤكّداً أن الشعب السوري سيبقى يقاوم الاحتلال رغم ضعف الإمكانات، وأنّ تحرير الأرض مهمة وطنية وقومية وإنسانية يشترك فيها كل أحرار العالم. واستعاد العسراوي تجربته الشخصية كمعتقل هو ومجموعة من زملائه لأنهم شاركوا في تأسيس “الجمعية الأهلية لمناهضة الصهيونية”، ليذكّر بأن النظام البائد كان يتعامل مع العدو الصهيوني من وراء الستار، وأنه لم يكن يوماً مقاوماً كما ادّعى.
وفي الختام، تناول العسراوي العلاقات السورية – اللبنانية، داعياً إلى إدارة الخلافات بعقلانية وتفاهم، مؤكداً أن الشعبين تحمّلا آلاماً مشتركة، وأن المصلحة تقتضي فتح صفحة جديدة قائمة على التعاون والتكامل لا على تكرار المآسي.
بهذا الخطاب الهادئ والعميق، قدّم المهندس أحمد العسراوي رؤية وطنية متوازنة تجمع بين الثبات على المبادئ والانفتاح على الواقع، بين النقد والمشاركة، وبين الموقف القومي المبدئي والرؤية الواقعية لبناء الدولة السورية الجديدة.
مكتب الإعلام
دمشق – 6 تشرين الثاني 2025

