إعداد: أمين صعب
محاضر جامعي ومهندس معماري – باحث في التراث
مقدمة
يُعدّ يوم التراث الفلسطيني مناسبة وطنية وثقافية سنوية تُكرَّس لتأكيد أهمية الهوية الفلسطينية وعمق ارتباطها بالأرض والتاريخ والإنسان. يحتفل الفلسطينيون في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) من كل عام بهذه المناسبة التي تُجسد اعتزازهم بالموروث الثقافي المادي وغير المادي، وتؤكد حرصهم على صون تراثهم وحمايته من الاندثار أو التزوير.
يُعد هذا اليوم فرصة لإبراز غنى التراث الفلسطيني وتنوّعه، فهو ليس مجرد ماضٍ نحافظ عليه، بل هو حاضر نعيشه ومستقبل نُؤسّسه على قاعدة الأصالة والانتماء.
أولًا: مفهوم التراث الفلسطيني وأبعاده
يُعرَّف التراث الفلسطيني بأنه مجموع القيم والعادات والتقاليد والممارسات التي تشكل هوية الشعب الفلسطيني الثقافية والاجتماعية عبر العصور. ويتضمن التراث المادي مثل الحرف اليدوية، والعمارة التقليدية، والأزياء المطرزة، والأدوات الزراعية، والمأكولات الشعبية؛ واللامادي مثل الأغاني والأهازيج، والأمثال، والحكايات الشعبية، والرقصات الفلكلورية، والعادات الاجتماعية في الأفراح والمناسبات.
ويمثل التراث الفلسطيني هوية جماعية متوارثة، تؤكد استمرارية الوجود الفلسطيني في أرضه رغم كل محاولات التهويد والطمس، كما يعكس منظومة القيم والعلاقات التي تربط الإنسان بالمكان، وتُجسد تفاعل الأجيال مع الطبيعة والبيئة والتراث الروحي والإنساني.
ثانيًا: تحديد السابع من تشرين الأول يومًا للتراث الفلسطيني
كان الاحتفال بيوم التراث الفلسطيني يُقام في الأول من شهر آب (أغسطس) من كل عام. غير أن وزارة الثقافة الفلسطينية قررت عام 2016 تعديل الموعد إلى السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، نظرًا لأن شهر آب يتزامن مع العطلة الصيفية للمؤسسات التعليمية، مما يجعل إقامة الفعاليات التراثية أمرًا صعبًا.
أما شهر تشرين الأول فيتميز بكونه موسم قطف الزيتون، وهو رمز مركزي في الثقافة الفلسطينية، يمثل الارتباط بالأرض والخصوبة والصمود. ومن هنا أصبح هذا الشهر أنسب لإحياء النشاطات والفعاليات التراثية في المدارس والجامعات والمراكز الثقافية، حيث يجتمع البعد الرمزي مع العمق التاريخي والاجتماعي.
ثالثًا: فعاليات يوم التراث الفلسطيني
تتنوّع الفعاليات التي تُقام في هذه المناسبة لتشمل الجوانب الثقافية والتعليمية والفنية. حيث تُنظَّم ندوات علمية ومعارض تراثية تُعرض فيها الأزياء الشعبية المطرزة، والمشغولات اليدوية، والأدوات الزراعية القديمة، إلى جانب عروض فلكلورية وأغانٍ وأهازيج تُجسد روح الحياة الفلسطينية في القرى والمدن.
كما تُسهم المدارس والجامعات في تنظيم الأنشطة التعليمية التي تهدف إلى تعريف الطلبة بعناصر التراث الفلسطيني، وأهمية الحفاظ عليه كجزء من الهوية الوطنية. وتُقام ورش عمل للحرفيين والفنانين لتعليم الأجيال الجديدة تقنيات التطريز والنسيج والفخار وصناعة السلال، حفاظًا على استمرارية هذه المهن التقليدية.
وتلعب المؤسسات الثقافية والمتاحف دورًا محوريًا في توثيق هذا التراث عبر الأبحاث والمعارض الدائمة، مما يعزز من الوعي المجتمعي بأهمية التراث كعنصر من عناصر المقاومة الثقافية، في وجه محاولات الاحتلال الإسرائيلي لسرقة الهوية الثقافية الفلسطينية ونسبها إلى ثقافات أخرى.
رابعًا: التحديات التي تواجه التراث الفلسطيني
يواجه التراث الفلسطيني سلسلة من التحديات البنيوية والموضوعية، أبرزها:
- الاحتلال الإسرائيلي وما يرافقه من سياسات طمس وتهويد للمواقع التاريخية والأثرية وسرقة الرموز الثقافية مثل الأزياء والمأكولات الشعبية.
- التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أدت إلى تراجع الاهتمام بالحرف التقليدية أمام المنتجات الصناعية والعولمة الثقافية.
- ضعف التوثيق والأرشفة للموروث الشعبي، مما يهدد ضياع جزء من الذاكرة الجمعية.
- قلة الموارد والدعم المؤسسي المخصص لحماية التراث، خاصة في المناطق الريفية والمخيمات.
ورغم ذلك، تبرز مبادرات شبابية ومؤسسية تُسهم في إحياء هذا التراث، سواء من خلال المشروعات الثقافية أو حملات التوثيق الرقمي أو الفعاليات التربوية التي تعيد الاعتبار للموروث الشعبي .
خامسًا: التراث الفلسطيني كذاكرة وهوية
إن التراث الفلسطيني ليس مجرد منظومة من الرموز والعادات، بل هو ذاكرة جماعية ومخزون حضاري يُجسد روح الصمود الفلسطيني. فكل مظهر من مظاهر التراث – من النقوش على الثوب المطرز إلى غصن الزيتون – يرمز إلى مقاومة محاولات المحو الثقافي، ويؤكد عمق الجذور الفلسطينية في أرض فلسطين.
ومن هذا المنطلق، فإن إحياء يوم التراث الفلسطيني يُعتبر عملاً وطنيًا وثقافيًا بامتياز، يهدف إلى تعزيز الوعي بالهوية الوطنية، وصون التراث من النسيان أو التشويه، ونقله للأجيال القادمة ليبقى حياً ومتجدداً.- خاتمة
يُجسد السابع من تشرين الأول يومًا وطنيًا تتجدد فيه العزيمة على حماية التراث الفلسطيني كمصدر فخر وإلهام، وكمكوّن أساسي من مكونات الهوية الوطنية. إن الحفاظ على هذا التراث هو حفاظ على الوجود الفلسطيني ذاته، وعلى الذاكرة الجمعية التي توحد أبناء الوطن في الداخل والشتات.
فالتراث الفلسطيني ليس ماضيًا يُروى، بل هو نبراس مستقبلٍ يُبنى، يختزن في تفاصيله روح الأصالة والإبداع، ويرسم ملامح الاستمرار رغم التحديات. ومن خلال هذا اليوم، يجدد الفلسطينيون عهدهم لأرضهم وهويتهم، مؤكدين أن التراث هو الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، ويُضيء طريق الأجيال القادمة نحو مستقبل أكثر وعيًا وانتماءً.
- خاتمة

