بقلم: الحاج بكر الحسيني
إن إعادة الحياة السياسية إلى فضائنا الوطني بعد أكثر من خمسين عاماً من التصحّر السياسي ليست ترفاً فكرياً ولا مطلباً نخبوياً محدود الأثر، بل هي ضرورة وطنية ملحّة تمسّ صميم الأمن القومي وتحصين الجبهة الداخلية في وجه كل مشاريع التفتيت والانفصال ومحاولات الاستقواء بالخارج. فالمجتمع الذي يُقصى عن الفعل السياسي، ويُحرم من التعددية الحقيقية والمشاركة الشعبية الواعية، يتحوّل مع الزمن إلى بيئة هشّة، سهلة الاختراق، تتنازعها الولاءات الضيقة وتغيب عنها المرجعيات الوطنية الجامعة.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الفراغ السياسي لا يبقى فراغاً، بل تملؤه قوى الأمر الواقع، أو التدخلات الخارجية، أو الانقسامات المناطقية والطائفية. أما الحياة السياسية النشطة المنظّمة، فهي التي تفتح المجال أمام الحوار، وتسمح بتداول الأفكار والمشاريع الوطنية، وتعيد تشكيل المجال العام على أسس من الانتماء الوطني والمسؤولية الجماعية. إن إطلاق الحريات السياسية وإحياء العمل الحزبي الحقيقي ليس تهديداً للاستقرار، بل هو صمام أمانه الحقيقي، لأنه ينقل الصراع من الشارع إلى المؤسسات، ومن الغرف المغلقة إلى الفضاء العلني المنضبط بقواعد الدولة والقانون.
إن تحصين الجبهة الداخلية لا يتحقق بالشعارات أو الإجراءات الأمنية وحدها، بل بإشراك المواطنين وتمكينهم من التعبير المنظّم عن مصالحهم وتطلعاتهم، وإعادة بناء الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع. فالمواطن الشريك في الحياة السياسية هو المواطن الأقدر على الدفاع عن وطنه، والأنضج في مواجهة محاولات العبث بوحدته الوطنية أو جرّه إلى صراعات خارجية.

