بقلم: علي بكر الحسيني
لم أدخل في تقييم تفصيلي لما قامت به حركة المقاومة الإسلامية حماس في السابع من أكتوبر عام 2023، ذلك الحدث الذي شكّل زلزالاً استراتيجياً في مسار الصراع العربي–الصهيوني، وفتح الباب أمام تحولات عميقة في المشهدين الإقليمي والدولي. موقفي من الحدث يحمل اختلافاً مع بعض ما أقدمت عليه الحركة من حيث التوقيت وبعض الأبعاد السياسية، لكن هذا لا يحجب عني حقيقة أساسية:فقد عرّت حماس في ذلك اليوم النظام الرسمي العربي والإسلامي، وكشفت ضعفه وتخاذله وارتباطه العميق بالمحاور الأمريكية والصهيونية، بل وفضحت حجم العمالة السياسية والأمنية التي تمارسها بعض الأنظمة تجاه واشنطن وتل أبيب بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لقد سقطت الأقنعة بسرعة مذهلة، وظهرت الأنظمة الرسمية على حقيقتها: عاجزة، خائفة، متواطئة، تتسابق لتبرئة نفسها أمام العدو لا أمام شعوبها.
في المقابل، وجدت المقاومة نفسها في مواجهة مفتوحة مع واحدة من أقوى الجيوش في المنطقة، مدعومة بأحدث الوسائل الاستخبارية والعسكرية، وبمظلة أمريكية كاملة، وصمت رسمي عربي يكاد يرقى إلى مستوى المشاركة السلبية. وبرغم معرفتها المسبقة بعدم التكافؤ العسكري، وبأن المعركة ستكون طويلة وكلفة بشرية ومادية باهظة، فإنها خاضت المواجهة حتى الرمق الأخير. هذا الصمود لا يمكن قراءته كفعل عاطفي أو تهوّر، بل هو فعل استراتيجي مدروس، ينطلق من قناعة عميقة بأن المعركة ليست مجرد جولة، بل فصل من فصول صراع تاريخي ممتد، وأن كل يوم تصمد فيه المقاومة يسقط شيئًا من صورة «الجيش الذي لا يُقهر»، ويعيد ترميم الوعي الجمعي العربي بأن إرادة المقاومة قادرة على إرباك العدو وكسر منظومته النفسية والعسكرية.
لقد كان الخذلان العربي، رسمياً وشعبياً، أحد أبرز العوامل التي أوصلت الأمور إلى الاتفاقات التي أعقبت المعركة، والتي لا يمكن وصفها إلا بأنها غير مقبولة سياسياً وأخلاقياً. فعلى المستوى الرسمي، لم تتجاوز مواقف معظم الحكومات بيانات إنشائية أو قمماً شكلية خالية من المضمون، بينما انخرط بعضها في اتصالات مع واشنطن وتل أبيب لإيجاد مخارج تحفظ أمن الكيان وتمنع اتساع دائرة المواجهة. على المستوى الشعبي، ورغم مظاهر التعاطف والدعم في بعض المدن، فإن الزخم الشعبي لم يكن بمستوى الحدث التاريخي، نتيجة التراكم الطويل لحالات الإحباط واليأس، وسياسات التدجين الإعلامي التي نجحت في عزل القضية الفلسطينية عن وجدان قطاعات واسعة من الجماهير. هذه الفجوة بين الحدث التاريخي ورد الفعل الشعبي والرسمي شكّلت أرضية مثالية للعدو لتمرير استراتيجيته الميدانية والسياسية.
وسط هذا المشهد برزت ظاهرة المزايدة من قِبل من يعيشون في أمان خلف الشاشات وفي البيوت المكيفة، يطالبون المقاومة بمواصلة القتال إلى ما لا نهاية، وكأنهم يتحدثون عن معركة افتراضية لا يدفعون فيها ثمناً من دمهم أو حياة أطفالهم. هذا النوع من المزايدات يعبّر عن جهل عميق بتعقيدات الميدان وعن سطحية في إدراك طبيعة الصراع. من يقاتل في غزة ليس جمهوراً افتراضياً، بل بشر حقيقيون يواجهون آلة حرب مدمّرة في ظل حصار خانق، ويُتخذ القرار هناك بناءً على تقديرات دقيقة للواقع لا على عواطف اللحظة. المقاومة ليست مغامرة عبثية، بل فعل سياسي وعسكري يخضع لحسابات دقيقة، وهي الأدرى بظروفها وبمصلحة شعبها، لأنها من يعيش المعركة بكل تفاصيلها اليومية.
من لا يقرأ التحولات العميقة في الإقليم والعالم خلال العقدين الأخيرين لن يستطيع فهم قرارات المقاومة أو تقييمها بموضوعية. فالنظام الدولي يشهد حالة اضطراب غير مسبوقة، مع انكفاء أمريكي نسبي في بعض الملفات، وصعود لمحاور آسيوية منافسة، وتراجع النظام العربي الرسمي إلى حالة من التشرذم والانقسام، وانكفاء معظم الأنظمة على مصالحها الضيقة وتحالفاتها الأمنية والاقتصادية. القضية الفلسطينية، التي كانت يوماً بوصلة العرب والمسلمين، تراجعت في سلم الأولويات الرسمية، وتحوّلت إلى عبء سياسي تسعى بعض الأنظمة للتخلص منه عبر التطبيع أو التناسي. في ظل هذه البيئة، تجد المقاومة نفسها أمام مشهد معقد لا يمكن التعامل معه بمنطق الشعارات. فهي بلا ظهير عربي حقيقي، وبلا مظلة إسلامية جامعة، وفي مواجهة مجتمع دولي منحاز بالكامل للعدو، وإدارة أمريكية لا تتردد في تسخير كل أدوات الضغط العسكري والاقتصادي والدبلوماسي لإجهاض أي محاولة لتغيير موازين القوى. في مثل هذه البيئة، يصبح اتخاذ أي قرار ميداني أو سياسي عملية شديدة الحساسية والدقة.
المرحلة التي تلت المعركة طرحت على المقاومة أسئلة مصيرية لا تقل أهمية عن لحظة الانطلاق. فالاتفاقات التي تُبحث اليوم ليست تعبيراً عن انتصار صهيوني صريح بقدر ما هي انعكاس لتوازنات فرضها الصمود من جهة، وحدود القدرة الواقعية للمقاومة من جهة أخرى. ليس مطلوباً من المقاومة أن تقاتل إلى ما لا نهاية دون سند أو غطاء سياسي، بل المطلوب أن يُفهم سياق قراراتها بعمق، بعيداً عن المزايدات. إن كل محطة في مسار الصراع تحتاج إلى تكتيك خاص، وإلى توازن بين الصمود العسكري والمرونة السياسية، دون التفريط في الثوابت.
إن معركة السابع من أكتوبر لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة انكشاف شامل للواقع العربي والإقليمي والدولي. لقد أثبتت أن النظام الرسمي العربي لم يعد مؤهلاً لحمل مسؤولياته التاريخية، وأن الشعوب مطالبة باستعادة زمام المبادرة ورفض منطق التواكل على فصيل أو طرف واحد. دعم حماس والمقاومة لا يعني تأييداً أعمى، بل يعني الانحياز إلى جبهة الأمة في مواجهة عدو مشترك، والاعتراف بأن من يقاتل على الأرض أدرى بلحظته وبمصلحة شعبه. المطلوب اليوم ليس مزايدات ولا بيانات حماسية، بل بناء موقف عربي شعبي ومسؤول يدرك طبيعة الصراع ويستعد لتحمل تبعاته.
لقد فرزت معركة غزة 2023 الصفوف بوضوح: من يقف مع الأمة في لحظة الحقيقة، ومن يختبئ خلف ذرائع العجز أو يتواطأ مع العدو. حماس ليست معصومة عن الخطأ، لكن نقدها الحقيقي لا يكون بتجريحها أو الضغط عليها من مقاعد المتفرجين، بل بفهم معركتها والوقوف معها في وجه آلة العدوان. إن الوقوف مع المقاومة اليوم ليس مجرد خيار سياسي، بل هو خيار أخلاقي ووجودي، يحدد موقع كل فرد وكل قوة في هذا الصراع. إنها لحظة امتحان تاريخي: إما أن نكون مع أمة تقاوم من أجل بقائها وكرامتها، أو أن نرضى بالاصطفاف مع نظام رسمي هشّ فقد بوصلته، وبات يرى خلاصه في رضا واشنطن وتل أبيب عنه .

