الشهيد محمد أحمد معتوق
في 8 تشرين الأول من عام 2012، وأثناء التفجير الذي استهدف مبنى فرع المخابرات الجوية في مدينة حرستا شمال-شرق دمشق، على الأوتوستراد الدولي دمشق–حمص مباشرة، تحرّكت فرق الإطفاء إلى مكان الانفجار لأداء واجبها الإنساني. وبعد دقائق، جرى استهدافها بتفجير ثانٍ متعمّد، سقط خلاله 18 عنصراً من الإطفاء، بينهم 6 شهداء، وأُصيب الأخ محمد أحمد معتوق أثناء قيامه بواجبه.
نُقل محمد على إثر إصابته إلى مشفى ابن النفيس، ثم إلى مشفى الهلال الأحمر، حيث جرى اختطافه من داخل المشفى من قبل أجهزة المخابرات، وتحديداً من قبل فرع أمن الدولة الملاصق للمشفى. وبعد أسابيع من الاختفاء القسري، ثَبُت استشهاده بتاريخ 14 تشرين الثاني 2012، ليترك خلفه زوجته وابنته الوحيدة يارا.
كانت هذه الجريمة حلقة سياسة ممنهجة استهدفت كوادر وطنية اختارت الوقوف إلى جانب الناس، والانحياز إلى الحرية والكرامة، ودفع أصحابها أثماناً باهظة نتيجة هذا الخيار.
في مدرسة جمال عبد الناصر، كانت التضحية شرط الوجود، وكانت الكرامة أثمن من الحياة نفسها. بهذه المعاني يستحضر حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي سيرة أخٍ لم يكن حضوره عادياً، بل كان جزءًا أصيلًا من مسار جيلٍ شاب داخل الحزب، ومن نضاله الوطني والإنساني.
وُلد محمد أحمد معتوق في 16 آذار 1978 في قرية بسيمة التابعة لوادي بردى في ريف دمشق، ناحية قدسية. نشأ في بيئة شعبية بسيطة، رأت في التعليم والعمل العام طريقاً للكرامة والمسؤولية. تزوّج في صيف عام 2009، ورُزق بابنته الوحيدة يارا، التي شكّلت مع زوجته نواة عائلة صغيرة لم يمهله القدر طويلاً ليكمل فرحتها.
منذ مراحله الإعدادية والثانوية، بدأ وعيه الوطني بالتشكّل، واتجه مبكراً إلى الانخراط في القضايا الاجتماعية والسياسية. التحق بصفوف حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، وشارك في العمل التنظيمي والنشاط الحقوقي، وكان من الكوادر الفاعلة في مرحلة كان للحزب فيها حضور واضح داخل الأطر الحقوقية، ولا سيما في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان. شارك في نشاطات الحزب في معسكري “اليمن ومصر”، وأسهم في الفعاليات التضامنية، وفي المظاهرات والوقفات المؤيدة لحقوق الشعب العربي الفلسطيني وحق العودة، ورفض المشروع الصهيوني، إضافة إلى الوقفات التضامنية مع العراق.
التحق بكلية الحقوق ودرس حتى السنة الثالثة، إلا أن انشغاله بالعمل السياسي غلب في كثير من الأحيان على مساره الدراسي، دون أن يدفعه ذلك إلى التراجع عن التزامه أو التخفف من مسؤوليته الوطنية.
إيماناً منه بالعمل الإنساني، التحق بسلك الإطفاء، معتبراً أن خدمة الناس في أوقات الخطر امتداد طبيعي لقناعاته السياسية والأخلاقية. وحتى في إطار عمله الوظيفي، لم ينقطع عن نشاطه الوطني، فكان حاضراً في المظاهرات، وفي التنسيق بين المجموعات الشبابية، وفي تنظيم التحركات الميدانية في دوما وحرستا ودمشق، وكان في كثير من الأحيان من القلائل الذين يعرفون تفاصيل هذه التحركات ويتحملون مسؤوليتها.
مع انطلاق الثورة السورية في آذار 2011، تحمّل محمد مسؤوليات مضاعفة. لم يكتفِ بالمشاركة، بل كان من المنسقين والمنظمين والداعمين لاستمرار الحراك السلمي في أصعب الظروف، إنسجاماً مع قرار قيادة الحزب الإنخراط الكامل في الثورة منذ لحظتها الأولى. هذا الدور جعله هدفاً مباشراً، فتعرض للاعتقال أكثر من مرة لفترات قصيرة، إلى أن جاءت إصابته خلال تفجير حرستا، ثم اختطافه من داخل المشفى، في مشهد يلخّص طبيعة المرحلة ووحشية القمع التي مارسها نظام الأسد.
بعد اختفائه، جرت محاولات واسعة للبحث عنه، شملت المشافي والسجون، والتواصل مع السفارات، وطرق أبواب المنظمات الحقوقية العربية والدولية، لكن دون جدوى. لاحقاً تبيّن أن محمد كان ضمن مجموعة من المعتقلين الذين تعرّضوا للتصفية خلال فترة قصيرة، وكان معظمهم من المحامين وأصحاب المهن الحقوقية والطبية.
إن حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، وهو يحيّي ذكرى أحد كوادره وشهدائه، يؤكد أن سيرة محمد أحمد معتوق ستبقى حاضرة بما تمثله من التزام وصدق وانحياز واضح للناس. لقد مضى شهيداً، لكن أثره باقٍ، ودرب الحرية الذي اختاره ما زال مفتوحاً، مهما بلغت كلفته.
مكتب الإعلام
حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي

