في الأول من أيار 2014، اغتيل الأخ الأستاذ محمد محمد سعيد فليطاني أبو عدنان أمام منزله في دوما، وهو في طريقه إلى معهد البدر التابع لمؤسسة الكرامة التعليمية. لم يكن اغتياله عادياً، بل جريمة سياسية استهدفت رجلاً عُرف بموقفه الواضح، وبانحيازه المبكر والدائم إلى الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ودفع حياته ثمناً لهذا الخيار.
يقول جمال عبد الناصر: “إن الشعوب لا تعتبر الشهداء من أبنائها مجرد ذكرى، بل تعتبرهم معالم على الطريق”. بهذه المعاني يستحضر مكتب الإعلام في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي سيرة رفيقٍ لم يكن حضوره هامشياً، بل كان جزءًا حياً من تاريخ الحزب ونضاله الوطني.
وُلد محمد فليطاني في دوما بتاريخ 12 تشرين الأول 1954، وتلقى تعليمه في مدارسها. انحدر من بيئة شعبية بسيطة، رأت في التعليم باباً للكرامة. التحق بكلية الهندسة الكهربائية، لكن ظروفه الاقتصادية حالت دون إكماله الدراسة، فاختار صف إعداد المدرسين، وتخرّج من الأوائل، ليُعيَّن مديراً لمدرسة ميدعا في ريف دمشق. لاحقاً أعاد دراسة البكالوريا والتحق بكلية التجارة، إدراكاً منه لأهمية تطوير الذات دون التفريط بمتطلبات الحياة.
دفع ثمن مواقفه مبكراً، حين أُبعد عن إدارة المدرسة بعد تحويل الإدارات التعليمية إلى مواقع حزبية، ورفضه الصريح تقديم طلب انتساب لحزب البعث. لم يكن هذا الرفض موقفاً إدارياً، بل تعبيراً عن قناعة سياسية راسخة. فمنذ المرحلة الإعدادية انتمى إلى حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، وتدرّج في صفوفه حتى وصل إلى عضوية المكتب السياسي، وكان أصغر أعضائه سناً، بما يعكس الثقة التي حازها بين رفاقه.
عرف الاعتقال والملاحقة باكراً. ففي عام 1989 اعتُقل على خلفية نشاطه في التجمع الوطني الديمقراطي، وقضى عاماً متنقلاً بين فرعي المنطقة وفلسطين، ثم اعتُقل مجدداً عام 1991 لعدة أشهر. وبعدها بقي تحت الرقابة الأمنية المستمرة. تزوّج عام 1981 من السيدة هيام كرداس، وأنجب عدنان ومنال وجمال وسماح وقتيبة، وبقي رغم أعباء العائلة والسياسة وفيًّا لالتزامه.
مع انطلاق الثورة السورية في آذار 2011، كان محمد فليطاني في الصفوف الأولى. بادر إلى تنظيم المظاهرات الأولى في الغوطة الشرقية، ودعا أعضاء الحزب إلى المشاركة المباشرة، انسجاماً مع قرار قيادة الحزب الانخراط الكامل في الثورة منذ لحظتها الأولى. ونتيجة هذا الدور، تعرّض للاعتقال مرتين خلال الأسابيع الأولى، الأولى في أواخر آذار 2011، والثانية بتاريخ 25 نيسان 2011.
ورغم هذه الأجواء، واصل دوره الوطني. فبعد خروج النظام، شارك مع مجموعة من الناشطين في تأسيس المجلس المحلي في دوما، وأسهم في إنشاء مؤسسة الكرامة التعليمية، وكان له حضور في العمل التربوي والإغاثي، إيماناً منه بأن الثورة ليست فقط مواجهة مع الاستبداد، بل مسؤولية أخلاقية في بناء المجتمع وحماية الناس.
اغتيال محمد فليطاني كان محاولة متعمّدة لإسكات صوت وطني ديمقراطي، وقطع مسار سياسي آمن بالحريّة ورفض الاستبداد، أيّاً كان شكله أو شعاره. إن حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، وهو يخلّد ذكرى أحد كوادره وشهدائه، يؤكد أن هذه السيرة ستبقى حاضرة وصورة للصدق والالتزام، ودليلاً على أن طريق الحرية كان ولا يزال مليئاً بالضحايا، لكنه الطريق الوحيد الممكن.
مكتب الإعلام
حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي

