بقلم صلاح بسيوني
12/1/2026
ما يجري في العالم اليوم ليس “اختلالًا” في النظام الدولي، بل سقوطه الكامل. النظام الذي تقوده الولايات المتحدة سقط أخلاقيًا قبل أن يسقط سياسيًا، وتحول إلى منظومة بلطجة رسمية تُدار من واشنطن وتُنفّذ عبر حلفاء خائفين أو تابعين. القانون الدولي لم يعد مرجعًا، والأمم المتحدة لم تعد أكثر من منصة بيانات قلق لا توقف حربًا ولا تحمي طفلًا.
الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، تمارسان عنفًا عاريًا بلا أي محاولة للتجميل. في غزة إبادة جماعية موثقة بالصوت والصورة، بسلاح أميركي، وبفيتو أميركي، وبصمت أوروبي مخزٍ. في السودان تفكيك دولة تحت عنوان “صراع داخلي”. في أوكرانيا حرب استنزاف طويلة لتصفية حسابات كبرى على أرض شعب آخر. في سوريا واليمن حصار وتدمير باسم “الاستقرار”. وفي تايوان تهديد دائم بحرب تُدار عن بُعد. هذا هو “النظام القائم على القواعد”… قواعد يضعها الأقوى ويكسرها متى شاء.
أما أوروبا، التي تُكثر الحديث عن القيم، فقد اختارت دور الشاهد الصامت: تتباكى على القانون الدولي في أوكرانيا، وتدفنه في غزة. ازدواجية فاضحة، ونفاق سياسي لا يحتاج إلى شرح.
العالم يُدفع عمدًا إلى سباق تسلّح محموم، وتُعاد شرعنة العنصرية ونظريات التفوق البشري مثل “المليار الذهبي”، وكأن مليارات البشر فائضون عن الحاجة. حقوق الإنسان؟ تُستخدم كسلاح انتقائي. تقرير المصير؟ حكر على من يخدم المصالح الغربية. حماية البيئة؟ مؤجلة حتى إشعار آخر… بعد انتهاء الحروب.
وفي هذا المشهد، يُطلب من العرب أن “يكونوا واقعيين”. والواقعية هنا تعني: مزيدًا من الانقسام، مزيدًا من التبعية، مزيدًا من شراء الحماية من نفس الجهة التي تصنع الخطر. تحالفات مع الخارج، اتفاقات غير متكافئة، تطبيع بلا مقابل، مساعدات مشروطة تُعيد إنتاج العجز. النتيجة معروفة: دول أضعف، مجتمعات منهكة، وسيادة على الورق.
الوحدة العربية ليست ترفًا فكريًا ولا حنينًا ناصريًا. هي شرط البقاء. كل أمة دخلت هذا العصر مفككة دُهست. وكل أمة تماسكَت فُرض احترامها، مهما كانت التضحيات.
قال جمال عبد الناصر إن القومية العربية “سلاح في مواجهة الاستعمار”. اليوم، هذا السلاح إمّا أن يُستعاد، أو تُسلَّم المنطقة كاملة لمشاريع التفكيك: طائفيًا، إثنيًا، واقتصاديًا.
الخيار بات فاضحًا:
إما وحدة تُفشل المشروع الأميركي–الصهيوني، أو تشرذم يجعلنا مادة دائمة على طاولة التقسيم.
أما الحياد، فخرافة لا يؤمن بها إلا الضحايا.

