تاريخ سورية
في 23 آب عام 1962 صدر المرسوم رقم (93) والذي قضى بإجراء تعداد سكاني في محافظة الحسكة (الجزيرة) شمال شرق سورية بهدف حصر أعداد “المتسللين الأجانب”.
استند المرسوم التشريعي رقم 93 الذي أصدرته ونفذته حكومة خالد العظم إلى المرسوم التشريعي رقم (1) والمؤرخ في 30 نيسان 1962 الذي أصدرته حكومة الدكتور بشير العظمة، وتضمن المرسوم في مادته الأولى ما يلي: “يجري إحصاء عام للسكان في محافظة الحسكة في يوم واحد يُحدد تاريخه بقرار من وزير التخطيط بناءً على اقتراح وزير الداخلية”.
كان الهدف المعلن لهذا الإحصاء هو معرفة عدد الأشخاص الذين عبروا الحدود بشكل غير قانوني من تركيا. وكان على الأكراد إثبات إقامتهم في سورية منذ عام 1945 على الأقل، وإلا فقدوا حقهم في الجنسية السورية.
كان إحصاء عام 1962 في سورية إحصاءً استثنائياً وخاصاً أجري في محافظة الحسكة فقط، وقد أجري الإحصاء في يوم واحد فقط، وهو 5 تشرين الأول 1962، مما جعله عملية إدارية سريعة وغير عادلة، حيث لم يتمكن الكثيرون من تقديم الوثائق المطلوبة أو المشاركة. أدى الإحصاء إلى تجريد حوالي 120 ألف شخص (حوالي 20% من الأكراد السوريين في ذلك الوقت) من الجنسية السورية، وتم تصنيفهم إلى فئتين رئيسيتين هما:
1-أجانب الحسكة: يحصلون على بطاقات هوية حمراء تثبت هويتهم، لكنهم محرومون من معظم الحقوق المدنية، مثل السفر إلى الخارج أو العودة إلى سورية دون إذن خاص.
2-مكتومون : غير مسجلين في أي سجلات رسمية، ولا يحصلون على أية وثائق إلا شهادات من المختارين، مما يجعلهم غير موجودين قانونياً.
بحلول عام 2011، ارتفع عدد المتضررين إلى 520 ألف شخص تقريباً بسبب النمو السكاني الطبيعي، حيث يرث الأبناء حالة آبائهم: حوالي 350 ألف أجنبي و170 ألف مكتوم.
كان الأكراد قد هاجروا إلى سورية في العشرينيات بعد قمع ثوراتهم في تركيا. لم يؤثر الإحصاء على غير الأكراد بنفس القدر، رغم أن بعض العرب والمسيحيين تأثروا، ولكن الغالبية العظمى من المتضررين كانوا أكراداً.
يُعد هذا الإحصاء جزءاً من سلسلة إجراءات اتخذتها الحكومات المتعاقبة لمعالجة المشكلة الكردية المعقدة التي ورثتها وتأثرت بها المنطقة العربية وشعوبها، ودفعت ثمن عدم معالجتها بحزم في مهدها رغم التقارير والتوصيات المبكرة بهذا الخصوص.
أدى إحصاء عام 1962 إلى تهميش الأكراد بشكل كبير، مما جعلهم عديمي الجنسية ومحرومين من الحقوق الأساسية: كالقدرة على التصويت، والترشح للمناصب، أو الزواج الرسمي (إلا بإجراءات معقدة). والحرمان من الملكية، وامتلاك الأراضي الزراعية، والوظائف الحكومية، أو إنشاء أعمال تجارية. وكذلك الحرمان من الحقوق الاجتماعية كالوصول إلى التعليم العالي، والرعاية الصحية، والخدمات العامة، بالإضافة إلى القيود على الحركة داخل سورية وخارجها.
في عام 2011، وكخطوة لاحتواء الاحتجاجات الشعبية القوية التي اندلعت ضد حكمه، أصدر بشار الأسد المرسوم رقم (49) القاضي بمنح الجنسية لبعض الأجانب، لكن المكتومين بقوا محرومين، وبقي حوالي 150 ألف كردياً عديمي الجنسية. أدى ذلك إلى مشكلات في اللجوء والاندماج في الدول الأخرى، خاصة في أوروبا والعراق.
في السادس عشر من كانون الثاني عام 2026،أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم (13) لعام 2026 الذي نص على أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة، وجاء في المادة الرابعة منه: “يُلغى العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية كافّة التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وتُمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، بمن فيهم مكتوم القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات”.
هذا المرسوم الاستثنائي والجريء هو نقطة تحول تاريخية تجنبتها الحكومات السورية خلال قرن من الزمن، وهو أعظم مكسب قانوني وتشريعي يحصل عليه الأكراد الذين هاجروا أو لجؤوا إلى الأراضي السورية.
كيف ترى هذا المرسوم وتأثيره على الأوضاع السياسية والميدانية والاجتماعية في سورية؟

