بقلم: الحاج بكر الحسيني
خاص المدارنت
في بداية عام 1978، كنّا في ندوة داخلية لـ”حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي”. لم تكن جلسة تنظيمية تقليدية، بل واحدة من تلك اللحظات التي تشعر فيها أن الكلمات لا تُقال لمجرد النقاش، بل لأنها ترسم ملامح ما هو قادم. يومها تحدّث الأمين العام المساعد السابق، الراحل محمد عبد المجيد منجونة (أبو ضرار)، بهدوء ووضوح يشبهان التقارير السياسية الدقيقة. قال إن ما يجري في إيران لا يمكن قراءته على أنه تغيير نظام أو ثورة ستبقى محصورة داخل حدودها، بل مشروع طائفي يتكوّن بهدوء، وإذا لم يُواجه فسيتمدّد من طهران حتى موريتانيا. سمّاه يومها “الهلال الشيعي”.
لم تكن تلك العبارة نبوءة ولا اندفاعاً عاطفياً، بل قراءة واعية لطبيعة النظام الذي كان يُبنى على أنقاض الشاه. كان منجونة يرى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عداء سياسي تقليدي، بل في توظيف الدين كأداة سلطة، وفي القدرة على اختراق المجتمعات من داخلها، لا عبر الجيوش النظامية، بل عبر تفجير التوازنات الاجتماعية والطائفية وتحويلها إلى أدوات صراع دائم.
بعد كل ما شهدناه في العراق وسوريا ولبنان واليمن، تبدو تلك الكلمات وكأنها كُتبت بعد التجربة لا قبلها. قيلت قبل الحرب العراقية–الإيرانية، وقبل سقوط بغداد عام 2003، وقبل أن تتحوّل المنطقة إلى فضاء مفتوح للميليشيات والولاءات الخارجة عن منطق الدولة. ومع ذلك، أصابت جوهر المسار الذي تشكّل لاحقاً بدقة لافتة.
من هنا لا يمكن النظر إلى انتفاضة الشعب الإيراني اليوم على أنها حركة احتجاجية مطلبية محصورة بغلاء المعيشة أو سوء الأوضاع الاقتصادية. ما يجري هو مواجهة بين شعب ونظام صادر ثرواته، واستنزف إمكاناته، وحوّل بلداً غنياً بالنفط والغاز إلى مجتمع مثقل بالعقوبات والعزلة والفقر، بينما تُنفق موارده على مغامرات خارجية لا تخدم سوى تثبيت السلطة وتعزيز نفوذها الإقليمي.
النظام الإيراني لم يكتفِ بقمع شعبه، بل جعل من المنطقة كلها مجالاً لتصفية حساباته السياسية والعقائدية. العراق كان البداية، ثم تتابعت الفصول في لبنان وسوريا واليمن. لم يكن هناك تصور لبناء دولة وطنية قوية، بل تصور لبناء شبكة نفوذ. لم يكن هناك احترام لسيادة الدول، بل اعتماد دائم على توظيف الانقسام الطائفي كأداة حكم وتوسّع.
وهنا تأتي شهادة الأستاذ الدكتور كريم فرمان لتضيف بعداً توثيقياً بالغ الدلالة. اللقاء الذي جرى في باريس عام 1978 مع الخميني، بطلب من صدام حسين شخصياً، وما نُقل عنه بوضوح:
“أول ما أفعله عندما أعود إلى إيران هو إسقاط صدام والبعث وتحرير شيعة العراق.”
هذه العبارة وحدها تكفي لتوضيح أن الحرب لم تكن وليدة ظرف طارئ أو رد فعل دفاعي، بل كانت جزءاً من برنامج سياسي معدّ سلفاً. العراق لم يكن جاراً يمكن بناء علاقة طبيعية معه، بل ساحة يجب إخضاعها. والبعث لم يكن مجرد خصم سياسي، بل عقبة أمام مشروع إقليمي أوسع.
بهذا المعنى، يصبح ما قاله منجونة في مطلع 1978، وما نُقل عن الخميني في باريس في العام نفسه، وما وقع فعلياً في أيلول 1980، حلقات متصلة في سلسلة واحدة: تشخيص، ثم إعلان نية، ثم انتقال إلى التنفيذ.
ومنذ ذلك التاريخ لم يتغيّر جوهر النظام. تبدّلت الأسماء والواجهات، لكن الفكرة بقيت ثابتة: توسيع النفوذ عبر الطائفية، إضعاف الدولة الوطنية، استبدال الجيوش النظامية بالميليشيات، واستبدال القرار السيادي بقرار مرتبط مباشرة بطهران.
وفي قلب هذا كله كان الشعب الإيراني أول الضحايا. لا حرية سياسية فعلية، ولا عدالة اجتماعية، ولا توزيع منصف للثروة، ولا أفق واضح للأجيال الجديدة. بلد بكامل طاقته التاريخية والاقتصادية محاصر داخلياً وخارجياً، بينما نظامه يعيش في مركز صراعات إقليمية لا تنتهي.
من هنا فإن دعم انتفاضة الإيرانيين ليس تعاطفاً إنسانياً فقط، ولا تدخلاً في شؤون داخلية، بل موقف أخلاقي وقومي في آن واحد. لأن سقوط هذا النظام يعني انهيار أحد أخطر مشاريع التفتيت في المنطقة، ويعني فتح الباب أمام علاقة طبيعية بين العرب وإيران، قائمة على منطق الدولة والدولة، لا على المذهب والميليشيا.
ونظام الملالي، في جوهره، لا يختلف كثيراً عن نظام الشاه. الشاه احتلّ الأحواز العربية، وقضم الجزر الإماراتية، وفرض نفوذه بالقوة العسكرية، وأرسل الإمام موسى الصدر إلى لبنان عام 1959، حيث شُقّ الصف الإسلامي، وأُنشئ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام 1969، وأُخرج الشيعة من دار الإفتاء، وأسس حركة المحرومين (أمل لاحقاً)عام 1974. ونظام الملالي أكمل المسار ذاته، ولكن بأدوات مختلفة: احتلال سياسي عبر الطائفية، نفوذ أمني عبر الميليشيات، وتوسّع مغطّى بخطاب ديني.
وكان صديقي الراحل بشير طه (أبو هواش) يختصر المشهد بجملة عميقة الدلالة:
“الشاه والخميني كلاهما يحلم بتاج كسرى. الأول يرتدي ربطة عنق غربية، والثاني عمامة، وكلاهما متفقان على الجوهر: السيطرة على العرب.”
الهيئة تغيّرت، لكن المشروع بقي واحداً.
اللغة تبدّلت، لكن الغاية لم تتبدّل.
الوسائل تطوّرت، لكن النتيجة ظلّت نفسها: إضعاف المنطقة، تفكيك دولها، واستنزاف شعوبها.
انتفاضة الشعب الإيراني اليوم هي رفض شامل لهذا المسار: رفض لتحويل إيران إلى مركز دائم لتصدير الاضطراب، ورفض لاختزال الدين في سلطة، ورفض لمصادرة الدولة لحساب جماعة حاكمة.
ومن موقعنا العروبي الواضح، نقول إن مشكلتنا ليست مع الشعب الإيراني، بل مع النظام الذي صادر صوته وورّطه في صراعات لا تعبّر عن مصالحه. معركتنا ليست مع إيران كدولة وشعب، بل مع المشروع الذي حوّلها إلى منصة عدوان سياسي وأمني على جوارها.
ما قاله محمد عبد المجيد منجونة قبل أكثر من أربعة عقود لم يكن مبالغة ولا تهويلاً، بل توصيفاً دقيقاً لمسار رأيناه يتحقق خطوة خطوة. وما نشهده اليوم في شوارع طهران وأصفهان وتبريز ليس حدثاً منفصلاً عن هذا السياق، بل بداية تفكيك هذا المشروع من داخله.
وعندما يسقط نظام الملالي، لن يكون ذلك انتصاراً لشعب إيران وحده، بل لحظة مفصلية تعيد التوازن إلى المنطقة كلها، وتفتح الباب لتركيز الصراع حيث يجب أن يكون: مع العدو الذي زرعه الغرب في قلب الوطن العربي على أرض فلسطين، وهو محور يحتاج إلى تفصيل مستقل، لأنه يرتبط مباشرة بإعادة ترتيب أولويات الصراع في المنطقة بعد عقود من التشتيت والانحراف المقصود.

